أزمة الرسوم الدانماركية> تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة
دراسة من إعداد الكاتب عبد الحليم حمود

                                               
                                    أزمة الرسوم الدانماركية

آخر ما كان بالتصور هو أن تندلع أزمة كبرى لها البعد الحضاري من خلال رسوم كاريكاتورية تُنشر في بلد أوروبي صغير لم تعرف عنه الصفات العدائية.

الاستهجان ينطلق من كون فن الكاريكاتور بحسب الشائع هو مجرد وسيلة ساخرة تستند إلى المبالغات في الشكل والمضمون، وفي الغالب هي رسوم محببة لطيفة تدفعنا إلى الابتسام.

لكن بين سطور ما هو شائع ثمة الكثير الكثير من الوقائع التاريخية التي انطلقت في حركتها من خلال رسم كاريكاتوري ووصلت إلى نهايات كبرى، تحمل في طياتها الواقع المؤثر والدوي الواسع. وهناك ثورات انطلقت عبر ترويج أفكارها بواسطة الرسوم الكاريكاتورية إن كان بشكل رئيسي كما هو الحال مع الثورة اللوثرية التي انطلق بها المصلح مارتن لوثر ضد الكنيسة وتحديداً الكرسي البابوي، أو بشكل رديف كما حصل ويحصل في دول عدة، إذ أن الكاريكاتور بطابعه يساري، متمرد، صدامي، وهو في الوقت ذاته يطرح أفكاره تلك من خلال قفاز ناعم يتمثل بالخطوط الضاحكة، اللينة.

الكاريكاتور فن ذو حدين ويمكن استخدامه بأشكال عدة رغم أن سمته الطاغية تؤشر إلى ميل هذا الفن نحو ضمائر الشعوب وتطلعاتها، ليكون في أوقات عدة حنجرة تطلق صرخات الجماهير أو مرآة تعكس آراءهم.

لكن لكل قاعدة استثناء والإستثناء هنا يتمثل بتعدي مشين على النبي محمد (ص) برسم كاريكاتوري لصحافي مغمور في صحيفة في أرض الدنمارك البعيدة. كان ذلك في شهر أيلول من العام 2005 وقيل وقتذاك أنها حادثة سلوكية منحرفة لرجل جاهل لا تستحق التوقف عندها. لكن مستصغر شرر تلك (الحادثة الفردية) في ذلك البلد القصي، تحول بعد أربعة شهور إلى حريق كبير يوشك أن يتعولم بعدما (تأورب) و (تأمرك) وتطاير لظاه في جهات الدنيا وقاراتها الست.

فجدار (الكراهية) يرتفع من جديد، أكثر سماكة مما شهدته العصور الماضية، ودخان الحرائق يكتسح النفوس المعبأة أصلاً قبل أن يلتهم بعض سفارات ذلك البلد. والسؤال الذي يطرح في وجه الجميع: إلى أين تتجه العلاقة بين الشرق والغرب؟ وهل ما يجري من تمظهرات (صراع الحضارات) وقد بدأ يتجسد واقعاً كما (تنبأ) صموئيل هانتنغتون، أم أنها مجرد زوبعة أثارها صحافي موتور؟ وهل كانت ردود الأفعال على تلك الإساءة محقة كما ظهرت عليه، أم أنها أساءت بدورها إلى صورة الإسلام والمسلمين؟

تتعدى إشكالية الرسوم الدنماركية الإساءة لشخص الرسول(ص) حرية الرأي في القانون الدنماركي الذي يمنع التعرض للعائلة المالكة (منعت الصحف من التعليق على وفاة ملك البلاد نتيجة إصابته بأمراض جنسية من علاقات شائنة). لذلك هناك اعتقاد شعبي في الشارع العربي بأن الإساءة تندرج في حملة معادية ذات بعد أخلاقي وسياسي استبدلت الإسلام والعرب بالشيوعية التي أضحت في ذمة التاريخ تحت شعار "أنهم يريدون إلغاء طريقتنا في الحياة" و "إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا".

وأياً كان الأمر، فإن (توقيت) هذه الإساءة يطرح علامات استفهام كبرى في اتجاهات عدة:

منها أن الدنمارك والنرويج ودول الشمال الأوروبي الاسكندنافية بعامة هي الأكثر اقتراباً وتفهماً لمعاناة الفلسطينيين في ظل الاحتلال الإسرائيلي المتطاول والأبعد عن التعصب ضد العرب والمسلمين...أن تأتي (الرسوم المسيئة) في هذه الآونة يعني أن ثمة محاولة لإعادة عقارب الساعة الأوروبية إلى الوراء، وتأخير اللقاء التاريخي المنتظر بين أوروبا والإسلام. وهذا التلاقي التاريخي حتمي ولا مفر منه، بحكم الجوار والتفاعل البشري والفكري، وبحكم ما مرت به أوروبا من تجارب الانفتاح على المعتقدات والأديان الأخرى، وما يتهيأ له العالم الإسلامي من عودة إلى روح الإسلام الحق في التعايش الديني والفكري مع العشيرة الإنسانية.

كذلك يسهم انتشار الرسوم المسيئة إلى نبي الإسلام في إحراج تركيا المسلمة التي اختارت الأنضمام بحكمة إلى جوارها وجارها القريب منها (الاتحاد الأوربي) بما سيتيحه من فرص التطور الاقتصادي العلمي والمدني. وبلا جدال فإن بعض المتعصبين المتاجرين باسم المسيحية واليهودية لا يريدون انضمام سبعين مليون تركي مسلم إلى أوروبا.

قد يقول قائل أن في الأمر مبالغة ما أو تضخيماً لحدث لا يخرج عن حدود الخطأ في التقدير، إنما نحن هنا ما عدنا ضمن دائرة التأويل بل دخلنا فعلاً الشكل الجديد من الأسئلة وعنوان (صدام الحضارات) سال من أقلام كثيرة في العالم جراء أزمة الرسوم والأمر كما هو معلوم تخطى لحظويته الإعلامية ليكون مركزاً في أي محاضرة أو مقالة أو كتاب أو حتى منطلق حواري. من هنا كانت فكرة جمع بعض أبعاد الحدث بين دفتي كتاب من باب الواجب التاريخي والديني أولاً وثانياً من باب ترصد حركة نمو كرة الثلج مع ما صاحبها من آراء وطروحات عالمية وصولاً إلى ردود الأفعال الميدانية من تظاهر وتأثير اقتصادي وسحب سفراء وكيل بمكيالين...

ذاكرة التاريخ لا تحتضن الأحداث العابرة، وقضية الرسوم المسيئة للرسول محمد (ص) لا شك ستحتل مكانة واسعة من تلك الذاكرة.

تحليل المشهد

سوء فهم مركّب

بما أن من الواضح أن الغربيين عموماً يحملون في أذهانهم عدداً من القوالب السلبية عن العرب والإسلام، فإن من المهم جلاء ما تنطوي عليه هذه الحالة. إنها ابتداء تجعل من الصعب على الكتاب الصحافيين في أيّ من وسائل الإعلام، سواء الراديو أو التلفزيون أو الأفلام أو الكتب المدرسية، أن يكتبوا بموضوعية وأمانة وبصورة تفي الموضوع حقه. إن عليهم أولاً أن يتغلبوا على أهوائهم، وهي أهواء يشاركهم فيها زملاؤهم ورؤساؤهم والجمهور عموماً مشاركة واسعة. لذا فإذا عرضوا آراء أو حتى أنباءً تختلف عن الأفكار (المقبولة) فسيكون عليهم أن ينازلوا رؤساءهم أو يخاصموهم. وحتى لو أنهم كسبوا جولتهم هنا فإنهم إنما سيكتبون لقراء يحملون أفكاراً مسبقة ثابتة. وبالتالي فإن ما يكتبونه من تقارير غالباً ما ينظر إليها كتقارير سطحية أو مغرضة، ومن المحتمل في الحالتين أن تنسى أو تهمل بسهولة باعتبارها من قبيل الاستثناء لا القاعدة العامة المتبعة. أما البديل الذي هو الخيار الأسلم عاقبة فأن يمارس الكتاب الصحافيون درجة من الكبح المسبق بحيث يحجمون عن الكتابة المؤيدة جداً للعرب أو للمسلمين، حتى وإن كانت الحقائق تتطلب مثل هذه الكتابة.
 
وبعكس ذلك يتجنب الكتّاب نشر ما هو سلبي جداً عن الصهاينة الإسرائيليين، حتى وإن كانت الحقائق أيضاً تتطلب مثل هذه الكتابة ( ).

الواقع أن هناك عدة أسباب رئيسية لإخفاق الإعلام في تقديم الإسلام بإنصاف وموضوعية وهي:

1 ـ الاعتماد الكبير عند الغربيين على وسائل الإعلام.
2 ـ الجهل والتحيز الثقافي الذي يعود لأسباب تاريخية وسياسية ودينية.
3 ـ تشابه نمط التفكير لدى الصحافيين الغربيين حول الأحداث السياسية في المنطقة.
4 ـ التعاطف مع اليهود بسبب معاملة النازيين لهم.
5 ـ طبيعة عمل وسائل الإعلام التي تركزعلى الحدث المثير أو البارز من دون إعطاء الإطار العام والخلفية التاريخية لهذا الحدث.
6 ـ نشاط القوى الصهيونية المتعاطفة مع إسرائيل والمتغلغلة في أجهزة الإعلام على أعلى مستوياته، والتي تتسم بالتنظيم القوي وشدة التصميم.
7 ـ ضعف العرب والعرب الغربيين في فهم وسائل الإعلام وكيفية التعامل معها، مع العلم أن جزءاً كبيراً من التغيرات الإيجابية التي شهدناها في السنوات الأخيرة يعود إلى حد كبير لعمل الناشطين من العرب وأصدقائهم الغربيين وإلى تحسن أداء بعض المسؤولين العرب.

لا توجد وصفات جاهزة للرد على الحملات الإعلامية الغربية العنيفة على الإسلام والمسلمين، فعجزهم الإعلامي وتقصيرهم في الوصول إلى الرأي العام العالمي عمره عشرات السنين، لذلك فإن الإجراءات المقترحة تندرج تحت الخطوات الإستراتيجية طويلة الأمد وبعضها الآخر متوسط وقصير الأمد أيضاً، وبداية لإنجاح أي جهود يمكن أن تبذل لمواجهة ما يتعرض له الإسلام والمسلمون من حملة ظالمة لا بد من اتخاذ إجراءات مساعدة يمكن أن تسهل من المهمة الصعبة ومنها:

1 ـ وضع إستراتيجية إعلامية عربية وإسلامية قائمة على أسس سياسية محددة ترقى إلى مستوى التحدي الإعلامي الدولي الذي تشكله الشبكة الإعلامية الغربية في العالم.
2 ـ توحيد الرؤية في الإعلام العربي والإسلامي تجاه القضايا المركزية للأمة، والارتقاء بالخطاب الإعلامي وأدواته، واستثمار الطاقات الإعلامية الموجودة والعمل على تفعيلها وتنسيق جهودها وتعزيز العلاقات فيما بينها والعمل على استحداث مؤسسات إعلامية مستقلة.
3 ـ العمل على توحيد المصطلحات الإعلامية والتعبيرات اللغوية السياسية المستخدمة في وسائل الإعلام والتي تحمل مضمونات مختلفة وتخدم توجهات وأهدافاً معينة.
4 ـ إجراء حوارات معمقة بين العاملين في المجال الإعلامي العربي والإسلامي للاتفاق على منطلقات محددة وأهداف يمكن تحقيقها مع الأخذ بعين الاعتبار معطيات الواقع الصعب والمساحات الضيقة التي يمكن أن تتحرك فيها ( ).

لقد صدرت عن المؤتمر الحادي والعشرين للـ (يونسكو) المنعقد في العام 1980، لائحة تمت المصادقة عليها واعتبرت إرساء للقواعد الأولى لمفهوم النظام العالمي الجديد للإعلام. ونذكر بعض ما جاء في اللائحة:

1 ـ تذليل العقبات الداخلية والخارجية التي تحول دون التداول الحر والانتشار الأوسع نطاقاً والأكثر توازناً للمعلومات.
2 ـ تعدد مصادر المعلومات وقنوات الإعلام.
3 ـ حرية الصحافة والإعلام.
4 ـ تمتع الصحافيين وجميع الإعلاميين بحرية لا تنفصل عن المسؤولية.
5 ـ احترام الذاتية الثقافية لكل أمة وحقها في إعلام الرأي العام العالمي بمصالحها وأمانيها وقيمها.
6 ـ احترام حق جميع الشعوب في الاشتراك في التبادل الدولي للمعلومات على أساس المساواة والمصلحة المتبادلة.
7 ـ احترام حق الجمهور والفئات الاثنية والاجتماعية والأفراد في الانتفاع بمصادر المعلومات.
8 ـ اعتبار التنوع في حل مشكلات الإعلام والاتصال أمراً ضرورياً نظراً لتباين الظروف بين بلد وآخر وبين فئة وأخرى.

وقد تراجعت محاولة (اليونسكو) هذه في الثمانينات بعد تعرضها لضغوط أميركية سياسية ومالية في محاولة لنسف هذه المبادئ كي لا يتكرس مبدأ التبادل بين المجتمعات الفقيرة والغنية في التمتع بها على قدم المساواة. ولا بد لنا من تعريف الإرهاب قبل الدخول في كيفية تناول الإعلام لهذا الموضوع ودوره في التفريق بين الكفاح الوطني المشروع والإرهاب ( ).

مخالب الديموقراطية

يقول الكاتب الفرنسي روجيه كايوا (1913 ـ 1978) في كتابه (الإنسان والمقدّس): "تتمثل الشريعة العليا للمجتمعات البدائية التي يرتكز عليها النظام الاجتماعي بمبدأ الاختلاط بين القبائل عبر التزواج، بينما تتمثل الشريعة العليا للمجتمعات الحديثة باحترام خصوصية الغير".
 
والمقصود بخصوصية الغير هو معتقدات ذلك الغير، ونمط حياته. وتقاليده التي استوت وتجذرت في البيئة الاجتماعية. وهذا ما اندلعت من اجله الثورات ونصت عليه القوانين الدولية.

إن ردات الفعل الغاضبة والحازمة. في العالم الإسلامي. رسمياً وشعبياً. على الإساءة المتعمدة من الصحيفة الدنماركية. ردات فعل طبيعية ومشروعة رغم ما في بعضها من انفعال وينبغي الا ننسى البعد السياسي لمثل هذه الإساءات الوضيعة. ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية مذ استبدلت (الخطر الأحمر) بـ (الإرهاب الإسلامي) تسعى إلى اقناع العالم بضرورة محاربة الخطر الجديد. وعدم التعاطف مع الشعوب الإسلامية في أي شكل من الأشكال. ورغم فداحة الظلم اللاحق بتلك الشعوب. وبذلك يستمر (عبثها) بمصالح الدول (المارقة)، وتستمر سيطرتها المطلقة على الثروات الطبيعية في العالم بأسره غير مبالية برضى حلفائها أو سخطهم. وكلما شعرت واشنطن بتصاعد موجة الاستياء، في العالم الإسلامي، ضد سياستها الميكيافيلية عمدت إلى (تنفيس) الاستياء بتوجيهه نحو إحدى الدول السائرة في فلكها، من ذلك على سبيل المثال، (قضية الحجاب) في فرنسا، والرسوم الكاريكاتورية في الصحيفة الدنماركية، اليوم، أو تلجأ إلى افتعال حالات من التوتر الداخلي في هذا البلد العربي أو ذاك، عملاً بسياسة الحجاج بن يوسف مع أهل العراق: "أما والله لتستقيمن على طريق الحق واما لأدعنّ لكل رجل منكم شغلاً في جسده"، وتعني (طريق الحق) في كلام الحجاج أو في سياسة الولايات المتحدة الأميركية، الخضوع المطلق للسلطة الغاشمة ( ).

تحت عنوان (بين حرية الرأي والافتراء على الإسلام) كتب محمد السماك ( ) السيناريو الأزمة بأسلوب يضيء على ملابسات الإشكالية فقال أنه لمناسبة تسلّم النمسا رئاسة الاتحاد الأوروبي للمرة الثانية، قررت الحكومة إقامة سلسلة من الاحتفالات الفنية. شارك 75 فناناً من مختلف الدول الأوروبية في رسم 150 لوحة لتزيين ساحات وشوارع العاصمة فيينا. غير أن بعض هذه اللوحات صوّر ملكة بريطانيا اليزابيت الثانية والرئيس الأميركي جورج بوش في أوضاع غير محتشمة، الأمر الذي حمل سفارتي بريطانيا والولايات المتحدة على الاحتجاج. وقد استجابت الحكومة النمساوية بسرعة وسحبت هذه اللوحات ومنعت تداولها احتراماً لمشاعر السلطات الأميركية والبريطانية.

في هذه الأثناء دعت جريدة دنماركية تدعى (ييلاندس بوستن) 40 فناناً دنماركياً إلى مسابقة لرسم النبي محمد(ص) كما يتخيلونه. استجاب 12 فناناً فقط واعتذر الباقون. ونشرت الجريدة الرسوم، وكلها تسيء إلى الإسلام وإلى النبي بشكل بشع واستفزازي، ذلك أن بعض الرسوم صورته على شكل مهووس جنسياً.. وصورته رسوم أخرى على أنه إرهابي، الخ..

احتج المسلمون في الدنمارك الذين يزيد عددهم على ربع مليون في دولة لا يتعدى عدد سكانها خمسة ملايين، وأرسلوا رسائل احتجاج إلى الصحيفة، فرفضت نشرها، وزيادة في التحدي، نشرت مقالاً افتتاحياً استهجنت فيه استنكار المسلمين لهذه الرسوم، وذلك بحجة أن الاستنكار ـ كما جاء في المقال ـ يتناقض مع الديموقراطية ومع حرية الرأي والتعبير. وإزاء هذا الموقف السلبي من الجريدة، طلب سفراء الدول الإسلامية في كوبنهاغن موعداً من رئيس الوزراء للاحتجاج، ولكنه رفض استقبالهم مدعياً أن الحكومة لا تتدخل في الصحافة ولا تنوي أبداً فرض أي قيود على حريتها.

شجع هذا الموقف الرسمي صحفاً أخرى للإنضمام إلى حملة الإفتراء على الإسلام وعلى النبي عليه السلام. ومن بين هذه الصحف صحيفة مغمورة نفضت غبار النسيان عن نفسها بنشر مقالات مقذعة عن الإسلام ورسوم كاريكاتورية قذرة عن النبي، هي جريدة (فيك اند افيسن). صدرت عدة احتجاجات من داخل الدنمارك وخارجها، حتى الأمم المتحدة أعربت رسمياً عن قلقها من هذه الحملة التي تستهدف عقائد وإيمان الآخرين. ولكن الصحيفتين لم تشيرا إلى هذه الاحتجاجات، وتجاهلتاها وكأنها لم تكن.

وتشاء الصدفة (؟) أن يكون مالكو الصحيفتين الدنماركيتين من اليهود الصهاينة!.. وإذا كان ذلك يفسر موقفهما من الإسلام وأهله، فإن الأمر الذي يصعب تفسيره أو تبريره أو فهمه هو موقف الحكومة الدنماركية. وهو موقف يتناقض تماماً مع موقف حكومة النمسا التي لا تقل عنها أبداً احتراماً للديموقراطية والتزاماً بحرية الرأي والتعبير.

فأن تستجيب حكومة النمسا لاحتجاج سفارة الولايات المتحدة وتسحب رسماً غير محتشم للرئيس بوش أمر مفهوم احتراماً لرئيس دولة كبرى، ولكن أن ترفض حكومة الدنمارك احتجاج سفراء 11 دولة إسلامية وترفض سحب رسوم بشعة وقذرة تصوّر النبي محمد عليه السلام في أوضاع استفزازية ومنفرة، أمر لا يمكن تبريره لما يحمله من إساءة إلى نبي يؤمن به مليار و350 مليون من البشر، أي أكثر من عدد سكان الدنمارك بمائتين وسبعين ضعفاً!!!.

ثم أن الدنمارك تطرح نفسها ليس فقط دولة علمانية، ولكنها تحاول من خلال هذا الطرح أن تلعب دوراً إيجابياً وبنّاء في حوار الحضارات القائم على أساس احترام ثقافات وعقائد الآخرين، وفي الواقع فإن الدنمارك مؤهلة بحكم خلفيتها السياسية والثقافية لأداء هذا الدور وهي قادرة على المشاركة بفعالية في قيادته. إلا أن ما حدث يشكّل انتكاسة ليس فقط لسمعة الدنمارك في العالم الإسلامي (حيث تتعالى الاحتجاجات الاستنكارية من المغرب حتى اندونيسيا) ولكنه يشكّل انتكاسة أيضاً لمبدأ الحوار الذي تلقّى طعنى في الظهر من الدولة التي يفترض أنها ترفع لواءه!.

مع ذلك فإن تصحيح الخطأ لا يزال ممكناً. وحرية الرأي لا تعني انتهاك مقدسات الآخرين والافتراء على إيمانهم وتشويه معتقداتهم. فلو تجرأ فنان في أي دولة إسلامية على رسم صورة تحقيرية لأي فرد من أفراد العائلة المالكة في الدنمارك لكان من الواجب التصدي له احتراماً لمشاعر الشعب الدنماركي الصديق. فالقاعدة هي ما قامت به حكومة النمسا... وليس حكومة الدنمارك!

بانوراما الأزمات الدينية

هل حرية الصحافة مطلقة لا حدود لها؟ أم أن لها حدوداً ينبغي أن تتوقف عندها؟ إذا ما ألقينا نظرة على تاريخ أوروبا وجدنا أنها كانت تُعاقب المجدفين الذين يعتدون على المقدسات، حتى أمد قريب، وما عدا بلدين اثنين، هما فرنسا وبلجيكا، فإن جميع بلدان أوروبا تمتلك تشريعات لقمع أي هجوم على المقدسات المسيحية، ولكنها لم تعد تنفذها باستثناء بلد واحد هو اليونان، والسبب هو أن شعب اليونان أكثر تمسكاً بعقيدته المسيحية، على المذهب الارثوذكسي، من بقية شعوب أوروبا الغربية المغرقة في علمانيتها.

فمثلاً، حاولت المانيا الغربية عام 1986 أن تُعاقب بعض الكتَّاب الملاحدة الذين هاجموا المسيح والعقائد الدينية بعد أن اشتكت عليهم الكنيسة الكاثوليكية، ولكنها تراجعت عن تنفيذ العقوبة، باعتبار أن ذلك من خصائص العصور الوسطى ومحاكم التفتيش، ولم تعد تليق بالعصور الحديثة.

أما في انكلترا فقد سنّوا عام 1838 قانوناً يُعاقب كل من يهاجم المقدسات المسيحية، وكان الهدف منه حماية الكنيسة الانغليكانية بعد ان تزايد الالحاد في المجتمع بسبب الثورة الصناعية وانتشار الأفكار الفلسفية على نطاق واسع. وفي عام 1922 أدين شخص يدعي جون ويليام غوت بالأشغال الشاقة لمدة تسعة أشهر بسبب تشبيهه للسيد المسيح بالمهرج أو البهلوان. وهذا يعني أن معاقبة الهجوم على المقدسات كانت سارية المفعول في انكلترا حتى بدايات القرن العشرين. ولكن في العصور السابقة كان مثل هذا الشخص يُقتل أو يُقطع لسانه كما حصل للفيلسوف جيوردانو برينو الذي انكر عذرية السيدة مريم وبعض العقائد الأخرى في المسيحية، وقتل عام 1600. أما بعد عصر التنوير الكبير فلم يعد ممكناً قتل الناس بسبب آرائهم الدينية وإنما كانوا يكتفون بسجنهم أو معاقبتهم مادياً.

في فرنسا، لاحظنا أن المتعصبين الكاثوليك أحرقوا داراً للسينما في حي (السان ميشال)، أي في قلب العاصمة الفرنسية احتجاجاً على عرض فيلم بعنوان: (آخر إغراءات المسيح) للمخرج الأميركي الشهير مارتن سكورسيزي عام 1988. ولحسن الحظ لم يكن أحد في السينما عندما تم حرقها، أو قل كان فيها بعضهم ولكن إصابتهم جاءت طفيفة.

في الواقع أن سكورسيزي أزعج كثيراً المتزمتين لأنه لمح إلى بعض الإغراءات التي قد يكون المسيح(ع) تعرض لها في حياته، ومن بينها إغراءات الجنس، يضاف إلى ذلك أن المخرج ركّز على العبارة الأخيرة التي لفظها المسيح وهو يتفطر ألماً على الصليب: يا إلهي، لماذا تخليت عني؟! واستنتج منها أن المسيح راح يشك بحقيقة دعوته في آخر لحظة، ويتمنى لو أنه لم يفعل ما فعل ويصل إلى هذه النتيجة المأساوية.

بالطبع فإن المؤمنين المتشددين لا يستطيعون القبول بمثل هذه التساؤلات المشينة التي تهدد اعتقادهم. ولذلك لاحقوا الفيلم الذي كان يُعرض في سبع عشرة صالة باريسية وبسبب تهديدهم لدور السينما هذه سحبته كلها من العرض ما عدا صالتين شجاعتين أكثر من اللزوم.. والواقع أن حرق سينما السان ميشال أرعب الجميع ( ).

في جريدة الحياة( ) كتب عرفان نظام الدين قائلاً: يخطئ من يظن أن نشر الرسوم المسيئة كان عملاً منفصلاً أو جديداً لا سوابق له. فالجديد يكمن في التعرض لمقام الرسول الكريم(ص) بشخصه وهو صاحب (الخلق العظيم) و {وَمَا يَنْطِق عن الهَوَى} وهو رسول المحبة والتسامح والسلام والصدق والأمانة والرحمة. أما القديم فله حكاية طويلة تمتد إلى عقود خلت حاولت فيها الصهيونية رسم صورة نمطية سيئة عن العربي والمسلم وألصقت به كل ما في الدنيا من موبقات ومساوئ وقذارات عن طريق الإعلام والسينما والتلفزيون وكل وسائل الاتصال الجماهيري حيث نجحت جزئياً في (غسل أدمغة) الأميركيين أولاً والغربيين بصورة عامة. وتوالت موجات الحملات المغرضة إلى أن تم استغلال المسلمين في تحطيم الاتحاد السوفياتي وتفتيت المعسكر الاشتراكي عن طريق ما سمي بـ (الجهاد في أفغانستان). وعندما حقق الأميركيون والمخططون الغربيون والصهاينة غاياتهم انقلبوا عليهم وطلعوا علينا بنظريات (صراع الحضارات) و (نهاية التاريخ) وغيرها من المزاعم التي تدعي أن الخطر الأكبر على الغرب و (حضارته) يتمثل في الإسلام والمسلمين بعد انهيار الشيوعية وانتهاء الحرب الباردة.

وللتدليل على أن ما نشر أخيراً هو حلقة في سلسلة جهنمية متكاملة، أذكر بتحذيري من انتشار نزعة العداء للمسلمين التي أطلق عليها الباحثون اسم (إسلاموفوبيا). كما أذكر بما جاء في كتاب فيليب لويس (بريطانيا الإسلامية) الصادر عام 1992 من أن رواية سلمان رشدي (آيات شيطانية) زادت من مستوى الجدل حول الإسلام وأن الإعلام البريطاني صب الزيت على النار. وأن (الإسلاموفوبيا) تصور الإسلام على أنه دين بربري وحشي معيدة إلى الإذهان أسلوب التعامل في القرون الوسطى ومذكرة بالحروب الصليبية.

أن أهداف النشر المسموم كانت متعددة الجوانب، فبالإضافة إلى الحقد والتحريض على المسلمين ولا سيما أبناء الجاليات كانت هناك غاية خبيثة رئيسية وهي إحداث قطيعة نهائية بين العرب والمسلمين بشكل عام مع أوروبا ومحاصرة العرب لإضعافهم وتفتيتهم وإكمال المخطط الصهيوني لتهويد فلسطين والقدس الشريف بحيث لا يبقى للعرب أي نصير أو حليف أو حتى مجرد صديق. وبنى المغرضون مخططهم وفق المعطيات الآتية:

1 ـ الاستراتيجية الثابتة للاتحاد الأوروبي تقضي بالتقارب مع العرب بسبب القرب الجغرافي والحضاري والفهم الأكبر لمشاكل المنطقة وشؤونها وشجونها.
2 ـ الإسهام بشكل رئيسي في جهود السلام في المنطقة وتحمل عقدة ذنب ومسؤولية معنوية عن إقامة إسرائيل بدعم قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ومساعدة الشعب الفلسطيني عن طريق اللجنة الرباعية و (خريطة الطريق) وغيرها.
3 ـ القناعة العامة بالمصالح المشتركة بين العرب وأوروبا على المدى البعيد في كل المجالات.
4 ـ الرغبة الأوروبية بالتحرر من الهيمنة الأميركية ومعارضة حروب أميركا، وهو ما تجلى خلال الحرب على العراق، حين اتخذت فرنسا والمانيا بالذات موقفاً متشدداً ورافضاً داخل الأمم المتحدة وخارجها.
5 ـ عقد اتفاقات شراكة عدة مع الدول العربية والدعوة لمؤتمرات متوسطية وقبول انضمام تركيا، منة حيث المبدأ، إلى الاتحاد الأوروبي لتكون أول دولة إسلامية تقبل في هذا الكيان المسيحي الصرف.
6 ـ وجود أكثر من عشرة ملايين عربي ومثلهم من المسلمين في أوروبا، بينهم وجوه بارزة في السياسة والاقتصاد والإعلام والمجتمع والفن وتنامي دورها ونفوذها.
7 ـ حاجة أوروبا إلى النفط العربي في وجه المخطط الأميركي للهيمنة عليه والامساك بزمام مفاتيحه وصنابيره.

وطأة التاريخ

بعد سقوط الأندلس عام 1492 تنفست أوروبا الصعداء لكن فرحتها لم تطل لأن العثمانيين وصلوا عام 1527 أي بعد ثلاثة عقود ونصف العقد فقط إلى مشارف فيينا متجاوزين أسلافهم الذين أوقفتهم فرنسا عند بواتيية وحالت دون دخول أوروبا في الإسلام. ويحلو للبعض أن يردد الآن أنه لولا هزيمة العرب في الحدود الفرنسية لكانت أوروبا كلها تؤذن، وتتردد هذه الجملة عندما يريد بعض الدوائر تخويف الأوروبيين من الوجود الإسلامي بين ظهرانيهم أو عند الحديث عن عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي أي أن كليهما سيكون حصان طرواده الإسلامي. وتغذي الدوائر الإسرائيلية والقوى اليمينية السياسية منها والدينية قلقاً لا أساس له من الوجود الإسلامي في الغرب الذي سينجح في ما فشل فيه العمل العسكري من قبل أي غزو لأوروبا من الداخل. وتحدد هذه القوى فترة زمنية هي خمسون سنة لحدوث تغيير ديموغرافي استراتيجي في أوروبا لصالح مسلميها ستكون له تبعات سياسية ودينية وخيمة عليها. هذا الافتراض يصبح في مقام الحقيقة ومدعاة للقلق ولسياسات تضايق مسلمي أوروبا وتحد من هجرتهم إليها وتنفرد صحف اليمن في بريطانيا على سبيل المثال في إذكاء هذا التخوف والإساءة إلى العرب والمسلمين ومعلوم كم هي الكاريكاتورات المسيئة للعرب التي نشرتها صحيفة (الصن) التي يملكها روبرت ميردوخ عن العرب والتي توقفت عنها بعدما بدأت الجالية الإسلامية تمارس دورها الطبيعي في الحياة السياسية والإعلامية البريطانية، وما تكتبه السيدة مينالي فيليبس في صحيفتي (الديلي ميل) اليومية و (الوقائع اليهودية) الأسبوعية من إفتراءات على الإسلام. ويسمح المقام هنا بالتذكير بالإساءات للإسلام التي انفردت بنشرها كأخبار صحيفة (الصنداي تلغراف) اليمينية التي كان يملكها اليهودي كونراد بلاك وأفسحت أيضاً مساحة أسبوعية لزوجته بربرا إيميل لقذف سمومها ضد العرب والمسلمين والانحياز الكامل لليكود، وتواطأت مع شخص كتب مقالات مسيئة للعرب والمسلمين تحت إسم مستعار هو (ويل كومينز) سرعان ما اتضح أن صاحب الإسم الحقيقي يعمل في المجلس البريطاني الذي فصله العمل ليس بسبب التزوير وحده وإنما لأن ما قام به يناقض سياسة المجلس في تجسير الفجوة بين الشرق والغرب. وفي 25 ـ 11 ـ 2001 نشرت الديلي تلغراف وحدها رفض البعض في الكنيسة الإنغيليكانية وضع إسم النبي محمد(ص) مع أسماء أنبياء آخرين كإبراهيم وإسحق ويوسف ويوحنا (وساره) ويشوع وداوود وموسى ومريم أم عيسى الذين قادوا شعب الله إلى نور الله. ووصف الدكتور جورج كاريه كبير أساقفة كنتربيري حينذاك هذه الخطوة بأنها غير سارة بالمرة، والدكتور كاريه آثار جدلاً كبيراً وعاصفة من الانتقادات عندما ألقى محاضرة في روما في نهاية عام 2004، بعد تركه موقعه الديني السابق الذكر، قلل فيها من إسهام المسلمين الحضاري الذي توقف عند اختراع الصفر على حد قوله وقبل هذا خطب في نيجيريا حيث يوجد أكبر عدد من أتباع الكنيسة الإنغيليكانية بلغة الاستغراب والاستنكار لعدم بناء كنائس في مكة المكرمة. ومن قصر لامبيث مقر الكنيسة الإنغيليكانية قال الدكتور سايكس أيضاً بأن وضع إسم النبي محمد(ص) مع الآخرين انتصار للنيات الحسنة على الدين الصائب ( ).

وفي 21 ـ 4 ـ 2004 نشرت (الصاندي تلغراف) وحدها من بين صحف الأحد الرصينة اعتراض بعض رجال الكنيسة نفسها على نية الملكة إليزابيث الثانية زيارة المركز الإسلامي في اسكنثورب كإيماءة طيبة منها ومن العائلة المالكة نحو مسلمي بريطانيا بمناسبة احتفالات بريطانيا باليوبيل الذهبي لجلوس الملكة على العرش وكنوع من الاعتراف بأن بريطانيا أصبحت بلداً متعدد الثقافات والديانات.
 
وقد اعترض الكاهن ديفيد فيليبس، سكرتير عام جمعية الكنيسة، محذراً بأن الزيارة تعطي إشارة خاطئة بأن كل الأديان شرعية، وهو ما يتعارض مع قَسم الملكة بحماية الدين المسيحي، ولأن المسلمين ليسوا سوى نسبة صغيرة فقد طلب من الملكة أن تفكر في الأمر بقوة لأن هذه الخطوة تضعف دورها كحاكم أعلى للكنيسة الأنغيليكانية والذائذة عن الدين. هذا التيار الديني ليس قاصراً على الكنيسة الإنكليزية بل يتعداه إلى الكنيسة الكاثوليكية، ففي أثناء تنصيب قداسة بابا روما الجديد بنديكت السادس في العام الماضي نقلت الإذاعة الرابعة في الـ (بي بي سي) قولاً قديماً للكاردينال جوزيف راتزينغر الذي أصبح البابا الجديد بأن الدين الإسلامي دين ناقص.

يعتبر الكاتب علي محسن حميد( ) أن الرسام الدنماركي إذا هو إبن مخلص لهذه البيئة الدينية والسياسية والثقافية وليس منفصلاً عنها وهو أيضاً جزء من بيئة يضعف الالتزام الديني فيها ويقل فيها الاحترام لكل الأنبياء، ولهذا السبب فليس بمستغرب أن تصبح كرة القدم هي الدين الجديد في بريطانيا والوطنية هي الدين الجديد في الولايات المتحدة عقب أحداث 11 ـ 9 ـ 2001 وأن يتعرض المسيح عليه السلام لشتى أنواع النقد والسخرية وأحياناً الإنكار لصحة رسالته. وقد شاهد المواطن الأوروبي أفلاماً سينمائية وتليفزيونية عدة أذكر منها هنا فيلمين حديثين الأول عن مريم البتول بثته (بي بي سي1) في 22 ـ 12 ـ 2002 والثاني كان عنوانه (من كتب الإنجيل؟) وبثته القناة الرابعة في 25 ـ 12 ـ 2004 ولم تحرك الكنيسة أو أي مواطن بشأنهما ساكناً لأن بثهما يندرج تحت حرية التعبير، وهذا قد يكون مفتاحاً لفهم حدوث رد الفعل الغربي بعد رد فعلنا المتأخر وتباينه واختلاف الموقف الرسمي عن الموقف الشعبي المنقسم على نفسه وفوق ذلك يطالع قارئ الصحف البريطانية في الشهورالأخيرة آراء مواطنين يطالبون بكتابة إنجيل جديد يتلاءم مع ما طرأ على المجتمع البريطاني من تغيير في السلوك والمفاهيم مثل جعل العلاقة الجنسية المثلية مشروعة دينياً وقبول هذه العلاقة بين رجال الدين. لقد أصبحت الجماعة المؤمنة في بريطانيا أقلية والغالبية تتحدث عن عدم إيمانها بالخالق ولا تخشى القول أنها ملحدة.

الجدل العقيم

العلاقات الغربية ـ الإسلامية ملغومة باستمرار، مرشحة دائماً إلى الانتكاس والتوتر، فهل يمكن القول بأن كل محاولة لإخراجها من دائرة الشك والمواجهة محكوم عليها مقدماً بالفشل؟ فبالإضافة إلى تراكمات الماضي القديم والحديث، يبدو أن هناك من يحرص باستمرار على تغذية أجواء التوتر بين الغربيين والمسلمين. فما تكاد تهدأ مشاعر الريبة والرفض حتى تعمد جهة من الجهات إلى افتعال مشكلة جديدة تفتح المجال لجولة أخرى من حملات التنديد والوعيد، التي غالباً ما تعيد العلاقة إلى نقطة الصفر. وفي كل مرة تظهر مؤشرات الرغبة المشتركة في التجاوز والتعبير عن حسن النيات، وتتوالى مبادرات متفاوتة الأهمية من أجل تطويق حالة التشنج، وتبذل جهود من أجل تشغيل جسور الحوار والتواصل، لكن ما أن تكاد تحقق هذه المساعي بعض النتائج المتواضعة، حتى ينفجر حدث مدمر تقوم به جهة متشددة سواء من داخل الغرب أو في إحدى مناطق العالم الإسلامي، فيشتعل فتيل المواجهة من جديد، ويتم إجهاض جهود (التسوية) المستعصية.

في هذا السياق تتنزل حادثة نشر الصحيفة الدنماركية (ييلاندس بوستن) رسوماً كاريكاتورية تتضمن إساءة واضحة وسخرية ساذجة بالرسول محمد(ص). وبمجرد إلقاء نظرة على هذه الصور، يصاب المرء بالدهشة والحيرة، لأنها جاءت خالية من أي قيمة فنية أو إعلامية أو ثقافية أو سياسية، ما عدا ترسيخ تلك الصورة النمطية المتوارثة عن الإسلام. وهو ما جعل الكثيرين يعتقدون بأن الغرض من نشر تلك الصور كان مجرد استفزاز مشاعر المسلمين، ومحاولة جرهم إلى ردود فعل متشنجة لإظهارهم للمرة الألف بأنهم (متعصبون) ومعادون لحرية الرأي والمعتقد.

 لن نقف عند تحليل هذه الصور أو البحث عن الدوافع الحقيقية من نشرها في هذا الظرف. فالساهرون على هذه الصحيفة، أو بقية الصحف التي ساندتها وقامت بإعادة نشر الصور، اعترفوا بانهم لم يتوقعوا حجم الردود الغاضبة والتداعيات الخطيرة التي ترتبت عن ذلك. بمعنى آخر، أنهم لم يدركوا أن المشاعر الدينية في العالم الإسلامي تتمتع بكل هذا الزخم والعمق والانتشار، رغم أن هذه الردود كانت مشروعة ومنتظرة، حيث لم يكن وارداً أن يغض الكثير من المسلمين أبصارهم عن إساءة مجانية وقبيحة من هذا القبيل. وهكذا يضع الديموقراطيون الغربيون أصدقاءهم وحلفاءهم في العالم الإسلامي أمام مأزق جديد، يزيد من تعميق الفجوة بين الطرفين، ويعطي فرصة ذهبية لمن يعتبرونهم خصوماً مشتركين. لقد اهتزت شعوب بكاملها، وما كان ذلك ليحصل لولا وجود إحساس عميق لدى أمة مجروحة عانت كثيراً من الإقصاء والتهميش ( ).

(صراع حضارات) هذا الذي يجري في أصقاع الأرض؟ إن كان الأمر كذلك، ففيه ما يزري بفكره الحضارة كما بمفهوم الصراع بل هو (صراع كليشيهات)، على الأصح والأكثر دقة. لم يحدث، ربما، أن تبدى الإدقاع في تمثّل الآخر، جليّاً صارخاً، كما تبدّى أثناء هذه الأزمة التي أثارتها الرسوم المسيئة للرسول. يصح الحكم هذا على جانبي الأزمة تلك وطرفيها: على (الغربيين) الذين تضاءلت معرفتهم بالعالم الإسلامي وشفّت، حتى انحصرت في كاتالوغ من سلبيات معلومة، من وجوه المتظاهرين الغاضبة الزاعقة يشوّه قسماتِها الحقدُ إلى استرقاق المرأة إلى العداء، جبلّة وجوهراً، حيال الحرية. كما على المسلمين، أو سوادهم الأعظم، في نظرتهم إلى غرب، إطلاقي طبعاً، عدواني كاره متآمر منحلّ..الخ ( ).

لم يتشابه الطرفان، من حيث توهما اختلافاً مبرماً، كما تشابها في حمأة هذه الأزمة، حتى تبادلا (الحجج) وتداولاها: أعتقد المسلمون أو قطاع منهم واسع أنهم تبينوا، على جاري العادة، (كيلاً بمكيالين)، مقارنين بين اجتراء (الغربيين) على التطاول على نبي الإسلام وتهيّبهم الخوض في جريمة الهولوكوست، تشكيكاً أو استهزاء، وتجريم ذلك الخوض، فأخذ عليهم البعض هذا (الخلط) بين مقدسات دينية و (قيمة الكاريكاتور) لا يهود المحرقة، حتى عاد (غربيون) واستاؤوا من ذات (الكيل بمكيالين) فاستنكروا على المسلمين ضيقهم بالرسوم المسيئة وهم الذين لا تتورع وسائل إعلامهم عن نفي المحرقة وعن تصوير اليهود تصويراً مشيناً في معاداته للسامية.

يقول صالح بشير( ) أنه حتى نظرية المؤامرة أخذ بها الطرفان بالعدل وبالتساوي: (الغرب) الذي تُفترض فيه العقلانية كما (الشرق) موئل (الغوغائية). فكما رأت أغلبية من المسلمين، أقله تلك المجاهرة في الميكروفونات، أن رسوم الصحيفة الدنماركية المغمورة، إساءة مبيّتة، الغرب بأسره ضالع فيها، متعمَّدة تنشد غايةً هي الشر المحض، توقف غربيون عند انفجار الغضب الإسلامي بعد أشهر طويلة من نشر تلك الرسوم، فاستنتجوا أن في الأمر (مؤامرة)، وأن قوى خفيّة قامت بتهييج الجموع، من المغرب إلى أندونيسيا فضلاً عن الشتات، حتى كتب أحد أكثرهم (نباهةً)، هو (الفيلسوف) الفرنسي بيرنارهنري ـ ليفي (من طينة ألان فينكلكروت، منظر (الرجعيين الجدد)، وصنوه من حيث علوّ كعبه فكرياً!) كاشفاً منبع تلك المؤامرة، فإذا هو في نظره مثلث أضلاعه إيران وسوريا وحركة حماس!

لقد ظل الفهم قاصراً في النظر إلى المسلمين باعتبارهم (كتلة واحدة). و (الإسلام شيء واحد). بل هناك ادغام وتشوش أحياناً بين الجماعات الإسلامية والإسلام أو بين المسلمين والإسلاميين والإسلامويين. وذلك في حمى الحديث عن (التهديد الإسلامي) و (الخطر الإسلامي)، وبإستعادة لغة الحرب أحياناًعند الحديث عن الإسلام باعتباره (عدواً) وليس المكون الثقافي لمئات الملايين من البشر، وبذلك تكاد تكون غالبية المسلمين حسب وجهة النظر هذه (مجبولة) على الإرهاب وعلى (العدوانية) التي تدمغهم دون تمييز أو تمحيض أو محاولة للفهم بأصول الدين وبالقانون والأنظمة السائدة وبالسياسة المتبعة وبالعلاقات الدولية، ناهيكم عن التنوع والاختلاف التي تمتاز به المجتمعات الإسلامية مثل غيرها من المجتمعات.

إذاً هي إشكالية التعمية عن فهم الآخر وهي المؤدية بالضرورة ـ إذا ما عولجت ـ إلى صراع الحضارات وكترجمة فعلية للطرح.

وكترجمة على الأرض يعد المؤلف المسرحي والممثل الدنماركي فليمينغ ينسن لمسرحية حول صدام الحضارات على ضوء الأزمة حول الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية المسيئة.

وقال ينسن: "إنها مسرحية مقتبسة من الكاتب البريطاني اليستر بيتن عن صدام الحضارات في شكل عامٍ، وليس عن الرسوم الكاريكاتورية في شكل واضح إلا أن الموضوع، نظراً للتطورات الحالية، سيلقي بظلاله في شكل واضح على العمل، نظراً لردود الفعل العنيفة التي تسبب بها نشر تلك الرسوم".

وأضاف ينسن: "يريد بيتن أن يزن بتمعن كل كلمة ليتأكد أن العرض الدنماركي سيكون مطابقاً للنص الإنكليزي، من دون أي تعابير قد تطرح إشكالات". وكما في عمل بيتن السابق (سبين دكتور)، فإن "شخصيات هذا العمل المسرحي الجديد هي شخصيات خيالية في عالم حقيقي"، بحسب تعبير ينسن الذي اعتبر أن "صدام الحضارات يتخطى الأشخاص". وأكد أن العمل الذي يحمل عنوان (هييرتي كونغي)، "ليس هجوماً على أحد وليس دفاعاً عن أحد" مشيراً إلى أن "مهمة المسرح هي إظهار الأوجه المختلفة للمشكلة من دون اتخاذ موقف بالضرورة".

العرض الأول للمسرحية سيكون في مسرح (نوريبرو) في كوبنهاغن، على الخشبة نفسها التي شهدت عرض مسرحية (لتس كيك آس) في إشارة إلى عبارة تلفظ بها الرئيس الأميركي جورج بوش.

وكانت هذه المسرحية التي نالت نجاحاً كبيراً، تناولت بوش وحليفه رئيس الحكومة الدنماركي اندرس فوغ راسموسن. وهي مقتبسة أيضاًعن نص لأليستر بيتن بعنوان (فولو ذي ليدر) (اتبع القائد)، بطلاه بوش ورئيس الحكومة البريطانية توني بلير.

العولمة على الخط

لم ينتبه ناشرو الرسوم الدنماركية ومؤيدوهم إلى أنهم يسيرون ضد حركة التاريخ وأن علاقة الدين بالسياسة علاقة تمايز ترفض القطيعة والإقصاء؟

من جهة أخرى، فإن الرسوم الكاريكاتورية تثير تساؤلاً آخر موصولاً بقطيعة الحدود الفاصلة بين المجتمعات والثقافات والأديان. ما تقضي إليه الثورة المعلوماتية ووسائل الاتصال المتطوّرة هو تغيير حتمي للعلاقات بين الدول والمجتمعات والثقافات والمعتقدات. من ثم، فإن الحديث عن عالم واحد وحضارة واحدة للجميع ليس شعاراً أجوف، بل هو حقيقة تفرض نفسها تدريجاً على الحواجز القديمة وما يرتبط بها من مفاهيم كالاستقلالية الكاملة والسيادة المطلقة والعوالم المنفصلة.

ضمن هذا السياق يكون السؤال الأنجع: كيف تساهم الخصوصيات العرقية والثقافية والدينية في التأسيس لعالم تصاغ فيه الحدود القديمة في شكل يحقق تعايشاً على رغم الاختلاف بل وبفصله؟

إن ما تجاهلته الرسوم الدنماركية الأوروبية وأعرضت عنه غالبية ردود الفعل العنيفة هو أننا أصبحنا مدعوّين إلى أن نعيش معاً ومختلفين.

ما اقترفته الرسوم الدنماركية وأصرّ عليه أصحاب بعض الصحف الأوروبية هو رفض لواقع مستقبلي هو قيد التشكّل بخطى وئيدة وأكيدة تتجه نحو عالمية ثقافية تأسس لحداثات مختلفة وكونيات متحاورة، من أبرزها حداثة وكونية إسلامية. ما صنعه واضعو الرسوم وناشروها كان أكثر كاريكاتورية من الرّسوم نفسها لأنه كشف عن جهل فاضح وسوء تقدير لمسيرة التاريخ البشري في راهنيته.

ذلك أن معنى الرسوم ـ من الزاوية الحضارية المعاصرة ـ هو أن أصحابها يفكرون من داخل حصون افتراضية متداعية يعلو فيها بكاء على عالم يتجه إلى الانقراض، عالم شعاره: (الشرقٌ شرقٌ والغرب غرب ولن يلتقيا). كاريكاتروية الرسوم أعادت السحرّ على الساحر لأنها عبّرت عن سذاجة القائلين بحداثة واحدة ووحيدة يسعى إلى النيل منها (البرابرة) من أبناء محمد وبناته ( ).

من ناحيته أكد المستشرق الدنماركي فنديري فيكتور استنكاره للرسوم المسيئة التي باءت بإثمها صحيفة (ييلاندس بوستن) الدنماركية وقال( ): إنه يشعر بالحرج لهذا التصرف الأرعن الذي أقدمت عليه الصحف دون مراعاة لمشاعر مليار ونصف المليار مسلم وأضاف هم للأسف لا يدركون ماذا يعني محمد ـ لدى المسلمين؟ واستطرد في حديثه قائلا: لقد أوقعوا بلادهم في مغبة غضب المسلمين، ثم أن مثل هذه التصرفات لا تقبلها حرية الرأي والتعبير، مضيفاً: لقد قرأت العديد من الكتب العربية وبحثت في سيرة النبي محمد(ص) واستنتجت ما يتصف به من صفات إنسانية نبيلة وعظيمة حتى الذين لا يدينون بالإسلام يعرفون ذلك جيداً، ومضى: كان يفترض أن يحترموا ذلك! وقال: لقد كان قائداً عظيماً وشخصية تاريخية كبرى في تاريخ البشرية وتمنى على المسلمين أن يتفهموا أن تصرف رسام كاريكاتوري ليس بالضرورة أن يعبر عن آراء ملايين البشر، ثم أضاف أنه سافر إلى المملكة وعدد من الدول العربية والإسلامية عام 2000 وأنه وجد من المسلمين كل احترام وتقدير. مشدداً أنه يفترض من رجال الإعلام أن يكونوا هم الأحرص في التقارب الثقافي والحوار الحضاري، وأن يدركوا مفهوم أن (الكلمة والصورة يمكن أن تزرع الحقد في قلوب ملايين الناس) سيما ونحن في عصر أستطيع أن أقول أن (الكلمة) أصبحت أقوى سلاح، وألمح إلى أن هناك العديد من الصحف الدنماركية بدأت تكتب بالعربية، كدلالة على أنه ليس يمثل رأي الدنماركيين صحيفة مثل (ييلاندس بوستن) وكشاهد عمق الهزة التي أحدثها بين الشرق والغرب والتي باتت تتعاظم مثل كرة الثلج المتدحرجة.

وأشار إلى أن هذا الاستفزاز غير المناسب للصحفيين الذين يتسترون بحرية الكلمة هو في الواقع لصالح الجماعات المتطرفة في العالم، إذ يسمح لهم من جديد بتذكير الآخرين بأنفسهم وإبعاد الأوساط الرشيدة الأكثر اعتدالاً ومحاولة إثارة عدم التسامح في المجتمع الإسلامي. ومضى قائلاً: إن المسألة تجاوزت الخلاف بين كوبنهاغن والعالم الإسلامي ليتركز الآن على حرية التعبير في الغرب في مواجهة المحرمات في الإسلام الذي أصبح الآن الدين الثاني في دول أوروبية عدة، وأنه لا يمكن تحميل الشعب الدنماركي مسؤولية ما تنشره الصحف مطالباً جميع الأطراف بتجنب العنف وتصعيد حدةالجدل. ومن الواضح أن عدد التيارات والسياسيين والقادة المعتدلين في العالم الإسلامي أكثر بكثير ولكنهم ظاهرياً يعتبرون بمثابة الأغلبية الصامتة فيه. أما الجماعات الراديكالية فإنها تسعى بفضل عدوانيتها ودعايتها الصاخبة وهمتها في وسائل الإعلام إلى أن تكون على مرأى من الجميع وأن تخلق انطباعاً وكأنها بالذات تتسيد الإسلام.

في حرية التعبير والمستوى الفنـّي

يعتبر الكاتب وحيد عبد المجيد( ) أنّ التعبير ليس نوعاً واحداً. وهذه مسألة بدهية أو أولية. هناك أنواع متعددة من التعبير. وفي تعددها اختلاف يفرض تباين طريقة التعامل مع كل منها. وما يعنينا هنا تحديداً أن نميز في حرية التعبير بين حرية الرأي وحرية الإبداع. وهذا تمييز يفترض أنه واضح. فالرأي هو أن أبدي رأياً في موضوع أو في شخص. والتعبير فيه غالباً تقريري مباشر. والرأي قد يكون إيجابياً وقد يكون سلبياً. فإذا كان الرأي سلبياً يمكن أن يكون مؤلماً موجعاً، وفي بعض الأحيان قاتلاً، إذا انفلت من أي قواعد وبلغ أقصى قدر من الشطط والجموح. وعندئذ يصبح ضرورياً بل محتوماً وضع سقف لا يتخطاه صاحب الرأي عند التعبير عنه. ولذلك تتضمن قوانين العقوبات في دول العالم جميعها، الديموقراطية وغير الديموقراطية منها، تأثيماً للشطط الذي يحوّل رأياً إلى سب أو قذف في حق شخص أو إساءة إلى موضوع أو شخص ينتج عنها ضرر. وهنا يعمل القانون في حدوده الطبيعية التي لا تتحقق الحرية من دونها، لأن حريتي تنتهي عندما تبدأ حريةالآخر.

أما الإبداع فهو نوع من التعبير لا يتسم بالمباشرة ولا يأخذ في الغالب طابعاً تقريرياً فالعمل الإبداعي يخلق عالماً منظوراً ليوحي بعالم وراءه. وكثيراً ما يكون فيه رموز يدخل في صياغتها الخيال. إنه عمل يعمل فيه المبدع عقله، وليس مجرد عمل يجري به قلمه. ولذلك يحتاج الإبداع إلى مساحة أوسع من الحرية حتى عندما يتعلق الأمر بمسائل تتصل بما نعتبره (تابوهات) دينية وجنسية وغيرها بشرط أن يكون تناول هذه المسائل جزءاً لا يتجزأ من نسيج العمل الإبداعي وسياقه، وليس مقحماً فيه. فالإقحام يتعارض مع أخص خصائص الإبداع، لأنه يهدف إلى تمرير رأي مباشر الأمر الذي يعني اجتياز الحد الفاصل بين الإبداع والرأي، وينقل العمل بالتالي إلى دائرة الرأي. غير أن الحكم على مثل هذه الأمور لا ينعقد إلا للمتخصصين في هذا المجال والنقاد والعارفين به، وليس لغيرهم. فعلى سبيل المثال يكون الحكم على طريقة معالجة أمر له صلة بالدين في عمل إبداعي هو لأهل الأدب والنقد وليس لرجال الدين.

فمن الضروري معاملة العمل الإدبي والفني والمقال النقدي أو التحليل العميق بطريقة تختلف عن مقال الرأي. ومن المنطقي أيضاً أن يكون للرسم التشكيلي حكم يختلف عن الرسم الكاريكاتوري خصوصاً إذا كان هذا الأخير مباشرا على نحو يجعله أقرب إلى رأي منه إلى إبداع فني.

والرسوم الكاريكاتورية الدنماركية هي من هذا النوع الذي يدخل في نطاق الرأي، وليس الإبداع. فالتعبير فيها مباشر بل فج، وليس فيها أي فن أو إبداع. وهنا يكون الرسم سباً مباشراً مثله مثل الكلمة التي يسيء الفرد استخدامها.

وهذا هو ما فات بعض الأوروبيين الذين أضفوا عليها الحماية التي توفرها حرية التعبير، بالرغم من أنها تنتمي إلى ذلك النوع من التعبير الذي يجوز تقييد حريته وليس إلى النوع الذي يصح إطلاق الحرية فيه من دون أي قيد. فالقوانين الأوروبية كلها، ربما باستثناء القانونين الفرنسي والبلجيكي، توفر للإبداع حماية لا تضفيها على الرأي المباشر، أي تميز بين حرية الإبداع وحرية الرأي من حيث حدود كل منهما. ومن بينها القانون الدنماركي الذي يفترض أنه يعاقب على الرسوم التي أثارت الأزمة، مثله مثل قوانين معظم الدول الأوروبية.
 
ومع ذلك فهذه القوانين التي تميز بين حرية الرأي وحرية الإبداع معطلة الآن إلا في اليونان وحدها. ويعود عدم الالتزام بالقوانين التي تحمي العقائد والمقدسات الدينية إلى الذكريات المؤلمة لمحاكم التفتيش. ولذلك تقابل الإساءات إلى هذه العقائد والمقدسات بتسامح نتيجة هذا العامل التاريخي وليس لأنها تدخل حكماً تحت مظلة حرية التعبير. غير أن هذا العامل التاريخي يخص الأوروبيين، بل أن الأصوليين منهم لا يعتدون به ويرفضون أي إساءة إلى المسيحية. ولكن ما يخص الأوروبيين لا يعم علينا. ولذلك كان رفضنا الرسوم الدنماركية صحيحاً من زاوية أنهاتمثل رأياً مرسلاً لا يحظى بالحماية التي يجب ضمانها للإبداع الثقافي والفكري.

تقول الكاتبة اللبنانية عايدة الجوهري( ) أنه من المستغرب أن يؤخذ كاريكاتور بحرفيته لتوصيف واقعي ملاصق للحقيقة. ففن الكاريكاتور يرمي، تعريفاً، إلى تشويه الحقيقة بالتركيز على سمات يراها الرسام سلبية غير مرغوب فيها، وهو فن يفتقر، تعريفاً ايضاً، إلى جدية العقلانية والمنطق. وبالتالي قد لا تقوم الرسوم الكاريكاتورية بتوصيف الحقيقة الموضوعية القابلة للبرهان والآيلة إلى استدلالات منطقية، فهي صنيع خيال يبحث عن لهو يعتقده مجداً. ويستعمل هذا الفن لأجل غاياته، الرموز والايحاءات والعلامات أي وسائط غير مباشرة توصله الى هدفه، أي أن الرسم قد يحيل إلى شيء آخر.

لا شك في أن الرسّام الدنماركي لا يعرف سيرة الرسول(ص) ولا يعرف ما ينسب اليه من تسامح ورقة في التعامل، وجلّ ما في الأمر أن اعمالاً ارهابية عشوائية تطال مدنيين أبرياء في أرجاء المعمورة تنفذ باسم الاسلام، ولم يصل به التحليل بالتالي إلى الفصل بين تعاليم الدين الحقيقية والتوظيف السياسي والشخصي، واختار أن يجسّد الرسول(ص) من دون ان يعرف أن تجسيد الأنبياء لدى المسلمين محرّم.

من جانبه قال الرسام الكاريكاتوري الروسي فولوف ديمتري ( ) إن الرسم الكاريكاتوري كان يشتمل على ثلاثة أغلاط مهينة مخالفة للقوانين الدينية والفكاهية والمهنة الصحافية، وأضاف أن ذلك يخالف مهنية وأخلاق الرسوم الكاريكاتورية إذ أن الهدف الاجتماعي للرسم الكاريكاتوري يتمثل في تمكين الضعيف من الرد على القوي وقهره في مجال الخيال.

وقال إذا نظرنا لهذا الرسم من ناحية مهنية فنرى أنه سيقلق كل أصحاب هذه المهنة (الرسم الكاريكاتوري): من ناحية الجانب المهني، وبالأخص الخلط بين الإسلام والإرهاب لأن هذاالخلط يدفع المسلمين إلى الخلط بدورهم بين الدنماركيين والأوروبيين، مشدداً على أنه يجب على جميع الإعلاميين الالتزام بحدود ما يسمح به المقدس، وهو توازن يصعب التمسك به دوماً إلا لمن يدرك أبعاد هذه الرسالة، فالإساءة إلى دين من الأديان أو إلى نبي من الأنبياء أو حضارة من الحضارات يتنافى مع مبادئ المهنة وأخلاقياتها ومواثيقها إذ أنه لكل حضارة رموزها الشخصية وكتبها المقدسة ومخزونها الثقافي الذي تعتز بهن وتعدّه جزءاً مهمّاً من كيانها الحاضر التي يصلها بالماضي، وترفض القطيعة معه، و لا تقبل الاستهزاء به والسخرية منه. وقد أجمعت الإتفاقيات الدّولية ومواثيق حقوق الإنسان على رفض التمييز بين أفراد الإنسانية، وعلى ضرورة احترام عقيدة الإنسان، وحضارته وثقافته.

من ناحية أخرى يرى مالك شبل الأستاذ في قسم الدراسات العربية بجامعة السوربون أن أي تصوير أو رسم لشخص النبي يعتبر من المحرمات في الإسلام، فما بالك إذا كان هذا الرسم كاريكاتوراً مشوهاً ومشيناً. وأما جيل كيبيل الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريسن قسم الشرق الأوسط والدراسات العربية، فيرى هو الآخر أن هذه الرسوم تشويه مدان، ثم يردف قائلاً: "أنه لمفهوم ومتوقع أن يشعر المسلمون بالصدمة من جراء تصوير نبيهم على هذه الشاكلة غير اللائقة أبداً. وإذا كان بعض المسلمين إرهابيين متطرفين فهذا لا يعني أن كل المسلمين إرهابيون متطرفون! هذا تعميم جاهل ومغرض".

 أما روبير مينار رئيس منظمة (مراسلون بلا حدود) فيرى أنه لا ينبغي التضحية بحرية التعبير حتى ولو كانت جارحة أو صدمت أغلبية السكان. وهذا ما تقوله المحكمة الاوروبية لحقوق الإنسان التي يقع مقرها في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، فحرية التعبير والصحافة مقدستان في أوروبا. ثم يردف روبير مينار قائلاً: "الحد الوحيد الذي ينبغي أن تقف عنده حرية التعبير هي الدعوة الصريحة إلى تكفير فئة معينة في المجتمع والدعوة إلى تصفيتها جسدياً. فهذا شيء مرفوض وينبغي أن يدان ويُعاقب فوراً. و نفس الشيء ينطبق على الأفراد" ( ).

ولكن هنا يطرح سؤال نفسه: أليست هذه الرسوم الكاريكاتورية تعني الهجوم على فئة معينة هي فئة المغتربين المسلمين في الدول الأوروبية؟ أليس الهجوم على نبيهم يعني الهجوم على دينهم وتشويه سمعته؟ ألا ينبغي أن تتوقف حرية التعبير عند هذا الحد؟ ألم تخطئ الصحيفة الدنماركية إذ تجاوزت الخطوط الحمر وانتهكت المقدسات؟

الأحداث يوماً بيوم 

12 ـ 10 ـ 2005

اعتراض سفراء الدول الإسلامية في كوبنهاغن لدى رئيس الوزراء الدنماركي على التجاوز الصارخ المتمثل برسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول محمد(ص) نشرت في صحف دنماركية.

ففي رسالة وجهوها إلى رئيس الوزراء الدنماركي أندرزفوغ راسموسن عبّر سفراء الدول العربية وكل من باكستان وإيران والبوسنة وأندونيسيا عن استيائهم من هذه الرسوم الانتقادية التي نشرتها صحيفة (ييلاندس بوستن) في 30 أيلول وطالبوا الصحيفة بالاعتذار، وأكدوا رغبتهم في لقاء رئيس الوزراء الليبرالي لإبلاغه قلقهم حيال ما يعتبرونه حملات ضد الإسلام والمسلمين في الدنمارك.

وأثار نشر تلك الرسوم في الصحف المذكورة ردود فعل غاضبة في صفوف الجالية الإسلامية، وخصوصاً أن أحدها يظهر النبي محمد معتمراً عمامة على شكل قنبلة.

وأوردت صحيفة (برلينغسكي تيدندي) أن مجموعة إسلامية تسمي نفسها (الكتائب المجيدة في شمال أوروبا)، وفق الترجمة الواردة، هددت في بيان عبر الانترنت بتنفيذ اعتداءات في الدنمارك وضد الصحيفة ناشرة الرسوم. ونشرت على الموقع الالكتروني الذي تضمن البيان صور لمواقع عدة في الدنمارك مع عبارة (للمجاهدين أهداف عدة في الدنمارك وستندمون قريباً).

والإسلام هو الديانة الثانية في الدنمارك بعد الكنيسة الإنجيلية ـ اللوثرية، ويبلغ عدد المسلمين فيها نحو 180 ألف شخص (3% من مجموع السكان).

20 ـ 10 ـ 2005

أعلن رئيس تحرير صحيفة (ييلاندس بوستن) الدنماركية كارستن يوستي أن الصحيفة تلقت تهديدات بالقتل، بعد أن نشرت في نهاية أيلول الماضي 12 رسماً كاريكاتورياً صورت النبي محمد(ص).

واعتبر رجال الدين المسلمون في الدنمارك أن هذه الرسوم تسيء إلى الإسلام. وطالبوا الصحيفة بسحبها، وتقديم اعتذار رسمي.

إلا أنّ الصحيفة، الأوسع انتشاراً بين الصحف الدنماركية، رفضت هذه المطالب تمسكاً منها بحرية التعبير. وقال رئيس التحرير في تصريح لوكالة (ريتساو) الدنماركية: "نعيش في ديموقراطية، والنقد الساخر والكاريكاتور مقبولان بصورة عامة في هذا البلد، ويجب ألاّ تضع الديانة حدوداً لذلك".

وللمرة الأولى في تاريخ الصحافة المكتوبة في الدنمارك منذ الحرب العالمية الثانية، لجأت الصحيفة إلى خدمات حارس لحماية مقرها في كوبنهاغن، خوفاً على سلامة موظفيها.

20 ـ 12 ـ 2005

انتقد 22 من كبار الديبلوماسيين الدنماركيين بشدة رئيس الوزراء الدنماركي اندرس فوغ راسموسن لتجاهله الجدل الدولي حول الرسوم الكاريكاتورية التي نشرت في الدنمارك وتصور النبي محمد(ص).

وفي رد مكتوب قال راسموسن أنه لن يتدخل في تلك المسألة بدعوى إن حرية التعبير هي اسس الديموقراطية الدنماركية، مضيفاً إن الديبلوماسيين بأمكانهم اتخاذ اجراءات قانونية.

وهاجم الديبلوماسيون، وهم جميعاً من السفراء السابقين الذين عملوا في دول مسلمة، راسموسن لرفضه الموافقة على اجتماع طالب به سفراء 11 دولة اسلامية لمناقشة الرسوم.

وأشار الديبلوماسيون الدنماركيون في مقال نشرته الصحف إلى أن "الحريات الدينية وحرية التعبير هما بين الحريات التي يضمنها الدستور.. لكن استخدام حريتنا لاهانة اقلية دينية عمداً ليس من السمات الدنماركية".

11 ـ 1 ـ 2006

أعربت الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي، عن الاستياء الشديد للمسلمين والمؤسسات والمراكز الإسلامية في العالم، للإساءة التي وجهتها مجلة (ماغازينت) النرويجية لخاتم الأنبياء والمرسلين محمد(ص) حيث أعادت نشر رسوم مسيئة للنبي(ص)، كانت قد نشرتها يوم 30 (أيلول) 2005 جريدة (ييلاندس بوستن) الدنماركية.

26 ـ 1 ـ 2006

أعلنت المملكة العربية السعودية إنها استدعت سفيرها لدى الدنمارك مشيرة الى أن الحكومة كوبنهاغن لم تتخذ إجراءات كافية بشأن الرسوم كاريكاتورية نشرتها صحف إعتبرت انها تسيء إلى النبي محمد(ص).

28 ـ 1 ـ 2006

اعلنت منظمة المؤتمر الإسلامي تحركها داخل أروقة الأمم المتحدة لاستصدار قرار دولي يدين التطاول على الإسلام ورموزه وتجريم هذه الممارسات بما يقود إلى محاسبة قضائية تردع المتورطين فيها.

وأكد الأمين العام للمنظمة البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو، في رد على سؤال عما إذا كانت المجموعة الإسلامية تتحرك في هذا الاتجاه: "بالفعل نحن نسعى إلى ذلك"، مؤكداً أن سفراء من الدول المسلمة لدى الأمم المتحدة بدأوا في إجراءات استصدار مثل هذا القرار الدولي الرادع.

وتشهد حادثة نشر صحيفة دنماركية لرسوم عن نبي الإسلام في أيلول تطورات (دراماتيكية) خصوصاً في السعودية بعدما وصلت نسخ من الرسوم إلى الجمهور. وفي وقت تصر الصحيفة على عدم التراجع ونشر اعتذار، ترفض الحكومة الدنماركية التدخل مباشرة في الموضوع بحجة (حرية الصحافة واستقلالها).

وتساءل إحسان أوغلو عن الصمت المطبق من المؤسسات الدينية المسيحية، خصوصاً الفاتيكان، تجاه التطاور الذي وصفه بـ (القذر، والبغيض، والرخيص) على الرسول(ص) المنشور قبل شهور في صحيفة دنماركية. وقال: "لم يصلنا شيء عن موقف الفاتيكان وهو المهتم بحوار الإديان والمعني به"، مشيراً إلى ردود فعل محدودة صدرت عن بعض رجال الدين المسيحي الذين دانوا بوضوح التطاول على نبي الإسلام.

وكشف أن المنظمة قررت مقاطعة المهرجان الثقافي الدنماركي "صور من الشرق الأوسط" المنتظر افتتاحه في الصيف المقبل. وعبر عن ارتياحه لردود الفعل في الشارع الإسلامي خصوصاً "حملة المقاطعة للبضائع الدنماركية المتصاعدة في السعودية"، كما ثمن موقف الرياض وقراراها استدعاء سفيرها في كوبنهاغن للتشاور.

وأكدت السفارة الدنماركية في الرياض استنكارها لما نشرته الصحيفة الدنماركية من رسوم مهينة للمسلمين. وقال مصدر في السفارة أن الإستياء والاستنكار أقل ما يمكن التعبير بهما باسم السفارة. و أضاف أن السفير هانز كلينغنبير "يشعر بحزن شديد لما تسببت به المجلة من إساءة إلى المسلمين، إلا أن ذلك لا يمثل الشعب الدنماركي الذي عُرف بتسامحه وشجبه للعنصرية بكل أنواعها العرقية والدينية".

وفي الكويت، تبدأ الجمعيات التعاونية مقاطعة شاملة للمنتجات الدنماركية ضمن إجراءات شرعت الكويت في اتخاذها احتجاجاً على إساءات الصحف الدنماركية للرسول محمد(ص) فيما دعا رئيس واعضاء مجلس الأمة (البرلمان) إلى (إجراءات تتجاوز الأقوال).

وقال رئيس اتحاد الجمعيات التعاونية محمد المطيري خلال تظاهرة خطابية في البرلمان الكويتي إن الجمعيات تعرض 275 سلعة دنماركية للجمهور الكويتي وقيمتها السنوية 170 مليون دولار، ما يمثل 85 في المئة من الوارادات الكويتية من الدنمارك، وأن كل هذه البضائع ستتم مقاطعتها.

 وقال رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي خلال التظاهرة إن الاحتجاجات في شكل بيانات "تثبت عدم جدواها في الماضي، وأن مقاطعة البضائع الدنماركية هي الإجراء المناسب". وتابع: "أن صدورهذا الإجراء من البرلمان الكويتي يرفع الحرج عن الحكومة الكويتية، ويؤكد أنه قرار شعبي مثلما تقول الدنمارك إن ما نشر في صحفها من إساءات هو تصرف لا علاقة للحكومة به". وأضاف: "إذا تمت المقاطعة التجارية فسترون كيف ستنهال الاعتذارات من الدنمارك والنرويج، والكويت ستكون أول من يبدأ بالمقاطعة".

وشارك في التظاهرة البرلمانية التي كان دعاء النائب الإسلامي وليد الطبطبائي إليها 20 نائباً من التوجهات كافة، وأصدروا بياناً استنكروا فيه ما نشر في الصحف الدنماركية، ودعوا إلى المقاطعة التجارية الكاملة، وطالبوا الحكومة الكويتية بالمزيد من الإجراءات الديبلوماسية ضد الدنمارك.

وكانت الخارجية الكويتية دانت في شدة الإساءات إلى النبي ووصفتها بأنها "تعبر عن أحد أشكال العنصرية البغيضة".

وفي طهران أعلن وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي للصحافيين أنه كتب إلى نظيريه الدنماركي والنرويجي معترضاً على نشر الرسوم الكاريكاتورية المهينة للمسلمين. وأضاف "نأمل ألا نتعرض لإهانات مماثلة سخيفة وتثير الغضب من جانب رسامين مرتزقة، لقد جرحوا أكثر من بليون مسلم".

30 ـ 1 ـ 2006

بعدما أكدت مؤسسات دنماركية أن مبيعاتها في الشرق الأوسط وصلت إلى حد (الصفر)، حذر مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي بيتر مانديلسون السعودية من اللجوء إلى منظمة التجارة الدولية، في حال دعمت الرياض حملة لمقاطعة بضائع الدنمارك.

تزامن ذلك مع أخذ هذه القضية بعداً أمنياً تمثل في احتلال مسلحين فلسطينيين مكتباً للاتحاد الأوروبي في غزة، ما دفع الحكومة الدنماركية إلى دعوة مواطنيها في الشرق الأوسط إلى التزام مزيد من الحذر، فيما أعلن الصليب الأحمر الدنماركي سحب ثلاثة من موظفيه من غزة واليمن.

وأوضح الناطق باسم الاتحاد الأوروبي بيتر باور أن ماندلسون أبلغ وزير الدولة السعودية بأن أي مقاطعة للبضائع الدنماركية، ستعد مقاطعة للاتحاد الأوروبي.

إلى ذلك، جدد رئيس لوزراء الدنماركي موقفه الرافض للاعتذار قائلاً إن: "الحكومة لا يمكن أن تؤثر في أي حال على وسائل الإعلام، ولا يمكن تحميلها مسؤولية ما تكتبه صحف مستقلة، كما لا يمكن تحميل الدنمارك كأمة". وذّكر بأن صحيفة ( ييلاندس بوستن) أعربت عن أسفها في مقال افتتاحي، وأوضحت أن نيتها لم تكن الإساءة إلى المسلمين. كما أعرب وزير الخارجية الدنماركي بير ستيغ موللر عن قلقه العميق من تفاقم هذه الأزمة. وأفاد الوزير في بيان أن الحكومة الدنماركية تدين في شدة الاعتداءات ضد مروجي بضائع الدنمارك وكذلك حرق الأعلام الدنماركية في العالم العربي (في الضفة الغربية)، وتنتظر من حكومات هذه البلدان أن تفعل الشيء ذاته.

وفي النرويج، طلبت وزارة الخارجية من اثنين من موظفي (الإسعاف الشعبي) يعملان في الأراضي الفلسطينية العودة إلى بلادهما. وأوضحت الناطقة بأسم الوزارة أن لين دال ساندستن: "يوجد موظفان في منظمة إنسانية هناك وسيغادران الأراضي (الفلسطينية) اليوم".

وفي السويد، دعت وزارة الخارجية رعاياها إلى عدم التوجه إلى غزة والضفة الغربية.

وفي أقوى هجوم وتنديد من نوعه وجه الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون من الدوحة انتقادات شديدة إلى الرسوم الدنماركية، وقال في نقاش مفتوح شارك فيه وزير الخارجية القطري إن "هناك جهلاً في العالم بالشرق الأوسط وخصوصاً بالدين الإسلامي"، ورأى أن ما حدث في الدنمارك "مثال سيئ"، واصفاً الرسوم بأنها "بشعة" و "مناوئة للإسلام"، وندد كلينتون بـ "جهل يتحكم في العقول" في أوروبا، لافتاً إلى أن "الحملة كانت موجهة خلال خمسين عاماً مضت ضد السامية والآن سيحيلون التعصب ضد الإسلام بدلاً من معاداة السامية".

وفي قطر، بدأت حملة لمقاطعة السلع الدنماركية والنرويجية، تشارك فيها مجمعات تجارية. ورفعت شركة (الميرة) التي تتولى استيراد وتوزيع المواد الغذائية والاستهلاكية على الجمعيات التعاونية، لافتة كتب عليها أنها "قررت التوقف عن تسويق وبيع المنتوجات الدنماركية والنرويجية حتى إشعار آخر". وتزامن ذلك مع سحب محال أخرى منتوجات دنماركية من بين معروضاتها، في حين نشرت صحف قطرية أن مواطنين أعادوا منتجات دنماركية إلى محلات بعد شرائها. ويُنظم نادي (الجسرة) الثقافي السبت المقبل مهرجاناً يشارك فيه علماء مسلمون من قطر ودول عربية لإدانة الحملات الغربية ضد الإسلام والمسلمين.

وفي بغداد، أعلن مصدر رسمي أن وزارة الخارجية العراقية استدعت سفير الدنمارك كريستيان أولدنبرغ، وأبلغته استنكار العراق الإساءة التي يشكلها نشر صحف دنماركية صوراً كاريكاتورية للنبي محمد(ص). وكان المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني طالب الدنمارك باتخاذ "إجراءات رادعة لمن تعمد الإساءة إلى مقام الرسول(ص)".

وفي غضون ذلك، أعلنت مجموعة (آرلا فودز) الدنماركية لانتاج مشتقات الحليب، والتي تواجه مقاطعة في الدول الإسلامية بسبب نشر هذه الرسوم، أغلاق مصنعها في الرياض بصورة مؤقتة. وأوضحت الناطقة باسم المجموعة استريد غاد نيلسن: "أقفلنا مصنعنا الكبير لمشتقات الحليب في الرياض لأننا نكاد لا نبيع شيئاً في هذا البلد". وتبلغ قيمة مبيعات هذه الشرطة في السعودية حوالي 328 مليون دولار سنوياً.

1 ـ 2 ـ 2006

أكد وزير الخارجية الدنماركي بيار ستييغ موولر أن: "ممثلي الجالية الإسلامية في الدنمارك رفعوا دعوى ضد الصحيفة التي نشرت رسوماً مسيئة للنبي محمد(ص) أمام المحاكم الدنماركية التي ستصدر حكمها في القضية"، مؤكداً حرص بلاده "الشديد على علاقات جيدة مع العالم العربي والإسلامي".

وقال موولر لـ (الحياة) ( ) على هامش المؤتمر الدولي حول أفغانستان في العاصمة البريطانية أن (الدستور الدنماركي يكفل حرية الرأي والحوار لكنه في الوقت نفسه يعاقب من يكفر أو يسيء إلى سمعة الآخرين أو لديانتهم أو أصولهم العرقية، والقضاء الدنماركي سيقوم بدوره في هذا الخصوص لأن هذا من صلاحياته وليس من صلاحيات الحكومة).

وأشار من جهة ثانية إلى أن بلاده "تحترم الأقلية المسلمة (3 في المئة من السكان) لديها وتحافظ على حقوقها وتساويها مع سائر المواطنين أمام القانون، وتحميها من أي اعتداء عليها أو على معتقداتها وتكفل لها الحق في هذه الحماية".

واعتبر موولر أن "رئيس الوزراء الدنماركي انديرس فوغ راسموسن اعتذر عما قامت به الصحيفة في خطابه لمناسبة رأس السنة الجديدة، وتم إرسال هذا الخطاب إلى جميع الحكومات العربية وإلى جامعة الدول العربية، كما أنه أوضح في كلمة له إدانة الحكومة أي محاولة تسيء إلى أي ديانة بأي طريقة كانت".

ورأى الوزير الدنماركي أن "العلاقات مع العالم العربي والإسلامي تتعرض لهزة كبيرة"، لكنه أبدى ثقته في أنها "ستعود إلى مسارها الطبيعي في وقت قريب"، مشيراً إلى "لقاءات إيجابية" أجراها مع عدد من وزراء الخارجية العرب.

ونفى الوزير بشكل قاطع ما جاء في بيانات مجموعات فلسطينية من أن الحكومة الدنماركية نشرت ملصقات ومطبوعات تسيء إلى الإسلام، وقال "نحن لم نفعل هذا قطعاً وليست لدينا أي نية من هذا النوع".

وفي كوبنهاغن، قالت الشرطة أنها تستعد لاحتمال قيام تظاهرات معادية للمسلمين في رد فعل على موجة الغضب التي تجتاح الدول الإسلامية. وصرح نائب مدير الشرطة موغينز كيارغارد مولر "نحن نعلم أن دعوات من العديد من المجموعات أخذت تنتشر، خصوصاً على الانترنت لتنظيم احتجاجات، ونحن مستعدون".

وقال أنه على علم بوجود "إشاعات" تفيد بأن شباناً من اليمين الدنماركي يخططون لتنظيم احتجاجات مناهضة للمسلمين في ساحة (تاون هول سكوير) في وسط العاصمة، إلا أن الشرطة لم تتسلم طلباً بالحصول على تصريح للقيام باحتجاجات.

من جهتها، أعادت صحيفة (فرانس سوار) الباريسية نشر مجمل الرسوم الكاريكاتورية التي سببت الاستياء في العالم الإسلامي.

وأوضحت الصحيفة أنها اختارت نشر الرسوم "ليس بهدف الاستفزاز المجاني بل لأنها تشكل موضوع جدل على نطاق عالمي واسع محوره التوازن والحدود المتبادلة في مجال الديموقراطية واحترام المعتقدات الدينية وحرية التعبير".

وقالت الصحيفة أن "هذه الرسوم قد تبدو بلا قيمة ولا تنم عن ذوق رفيع ومهينة ووقحة" لكن نشرها الذي "كان يهدف بالتحديد إلى اختبار حدود حرية التعبير في الدنمارك آثار موجة من الاستياء والغضب في العالم الإسلامي".

وأوضحت الصحيفة في افتتاحيتها أنه "لا يوجد في الرسوم موضوع الاتهام أي نية عنصرية أو رغبة في تحقير أي مجموعة. بعضها طريف وبعضها ليس كذلك وهذا كل ما في الأمر. ولهذا السبب اخترنا نشرها".

لكن الصحيفة عمدت إلى سحب أعدادها من عدد من الأكشاك الكبرى في العاصمة الفرنسية، بعد الضجة التي أثارها نشر الصور الكاريكاتورية.

وبالإضافة إلى ذلك، عمدت الصحيفة المذكورة إلى تعديل نسختها الإلكترونية. فالصور موضوع الإدانة، كانت على الصفحة الأولى للجريدة: إلا أنها سحبت لاحقاً منها ومن الصحيفة الإلكترونية ككل، وظهرت مكانها على الصفحة الأولى العبارة التالية "إن الصور غير متوافرة والصحيفة آسفة لذلك".

وأثار نشر الصور، ردة فعل قوية من المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. وقال رئيسه الدكتور دليل بو بكر إن ما قامت به (فرانس سوار) بمثابة "استفزاز حقيقي" للمسلمين المقيمين في فرنسا، والذين يربو عددهم على 5 ملايين نسمة. وقال بوبكر: "إن هذا العمل الذي خططت له دوائر عنصرية ومعادية للأجانب، يبين العداء للعرب وللمسلمين وللديانة الإسلامية"، مضيفاً أن هذه الصور الكاريكاتورية "تستهدف تحقيق القطعية بين الإسلام والغرب والوصول إلى صراع الحضارات".

وأكد البيات الذي أصدره بوبكر، أن المجلس يحتفظ بحق تقديم شكوى إلى القضاء لاحقاً.

وعبرت الخارجية الفرنسية عن تحفظها، إزاء ما قامت به الصحيفة الفرنسية، وقال الناطق بأسمها جان باتيست ماتييي في المؤتمر الصحافي الإلكتروني إن "مبدأ حرية الصحافة، الذي تدافع عنه السلطات الفرنسية في كل أماكن العالم، لا يمكن أن يكون موضع إعادة نظر، ولكن يجب أن تتم ممارسته في إطار احترام المعتقدات والديانات".

لكن المتحدث قال أن "الرسوم لا تلزم إلا الجريدة التي نشرتها".

وفي تونس، أعربت شخصيات دولية بارزة في مقدمتها رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد عن قلقها البالغ تجاه استمرار الحملات المعادية للإسلام، داعية إلى انشاء تحالف حقيقي بين الحضارات بدل من الصدام.

وقال المشاركون في المؤتمر الدولي لتحالف الحضارات في بيان ختامي أطلق عليه (إعلان تونس)، إنهم "قلقون إزاء استمرار الحملات المعادية والمغرضة ضد الإسلام، وحضارته وثقافته وشعوبه، والتي تزداد بعد أحداث الحادي عشر من أيلول".

ومن أبرز الشخصيات السياسية والفكرية المشاركة فيهذا المؤتمر، الذي استمر ثلاثة أيام عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية، وأكمل الدين حسان أوغلو الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمفكرالمصري ميلاد حنا.

وفي روسيا دانت الكنيسة الارثوذكسية الروسية الرسوم (غير المقبولة)، التي نشرت في النرويج والدنمارك، فيما اعتبر المجلس الإسلامي للمفتين الروس أنها (تدنيس) للإسلام، من دون أن يدعو إلى مقاطعة المنتجات الدنماركية.

وقال المتحدث باسم بطريركية موسكو ميخائيل دودكو في تصريح أوردته وكالة ايتار ـ تاس "أمر خطير جداً أن نسيء إلى المشاعر الدينية، لأنها متجذرة عميقاً في قلب الروح البشرية".

وإذ اعتبر أن "الإساءة إلى المشاعر الدينية غير مقبولة"، شدد على أنه "لا يمكن التحدث عن حرب ديانات"..

وقال المسؤول الروحي، أن الارثوذكس الروس، واجهوا مشكلة مماثلة في الماضي، حين عرضت في موسكو اعمال فنانين روس، اعتبرت البطريركية وبلدية موسكو، أنها مسيئة للديانة.

2 ـ 2 ـ 2006

تابع مساعد وزير الخارجية النرويجي ريمون جوهانسن جولته على المرجعيات اللبنانية على خلفية نشر صحيفة نرويجية صوراً تسيء إلى النبي محمد(ص)، وذلك في حضور سفير النرويج في لبنان المقيم في دمشق سفين سفيج. والتقى جوهانسن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في السرايا الحكومية، ثم زار العلامة السيد محمد حسين فضل الله، في منزله في حارة حريك.

وقدم جوهانسن الاعتذار بأسم حكومته عما صدر في الصحيفة النرويجية (المغمورة). واعتبر أن "العالم في حاجة إلى حوار وتفاهم"، مؤكداً أن الإسلام هو ثاني ديانة في النرويج من حيث العدد، وفي النرويج "يتعلمون في مدارسهم كل شيء عن الأديان وعن الإسلام، على عكس من الروسومات المسيئة التي نشرتها هذه الصحيفة النرويجية". ثم قدم بيان إدانة لما نشرته الصحيفة من الأمين العام لمجلس الكنائس في النرويج والمسؤول عن العلاقات الدولية مع الأديان الأخرى، أولف تفت.

وأشار فضل الله إلى أن "هذه الإهانات التي صدرت تقتضي معالجة جدية كي لا تتكرر، إذ ليس من المقبول أن يقال أن هناك حرية للتعبير تقتضي السكوت عما جرى، وعلى الآخرين أن يفهموا ما هي نظرة المسلمين للنبي، لأنها تختلف عن نظرة الغربيين في شكل عام للأنبياء".

وفي الإطار نفسه طالب المفتون وقضاة وعلماء الشرع اللبنانيون، بعد اجتماعهم في دار الفتوى، برئاسة مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني صحيفتي (ييلاندس بوستن) الدنماركية و (مغازينيت) النرويجية، بأعتذار صريح عن نشر الرسوم المسيئة إلى النبي محمد(ص)، مشددين على وجوب إتاحة الصحيفتين لكاتب مسلم أن يعرف على صفحاتهما بالإسلام وبالنبي.

وكان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أشار خلال المجلس العاشورائي المركزي في الرويس، إلى أن "ما جرى في العالم الإسلامي بما فيه لبنان حتى الآن، من احتجاجات، ليس بمستوى الإهانة". وأكد أن "المشكلة بدأت من يوم كتب سلمان رشدي آيات شيطانية"، مشدداً على أنه "لو قام مسلم ونفذ فتوى الإمام الخميني بالمرتد سلمان رشدي لما تجرأ هؤلاء على أن ينالوا من رسول الله(ص) لا في الدنمارك ولا في النرويج ولا في فرنسا". وقال: "أنا واثق بأن هناك مئات الملايين من المسلمين الذين هم حاضرون ومستعدون أن يقدموا أرواحهم من أجل أن يصونوا كرامة نبيهم".

وفي مصر حذر الرئيس حسني مبارك من تداعيات حملة الإساءة للإسلام في الصحف الأوروبية، مؤكداً أن "حرية الرأي والتعبير والصحافة التي نكفلها ونحترمها لا ينبغي أن تكون ذريعة للنيل من المقدسات والمعتقدات والأديان". وأكد أن "التمادي في هذه الحملة إنما ينزلق الى منطقة خطرة تكون له عواقبه الوخيمة في إثارة مشاعر العالم الإسلامي والجاليات الإسلامية في أوروبا وخارجها"، لافتاً إلى أن "التعامل غير المحسوب مع تداعيات هذه الحملة سيوفر مزيداً من الذرائع لقوى التطرف والإرهاب". وأبدى مبارك (احترامه وتقديره) لإدانةالرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون المشاعر المعادية للمسلمين، وتحذيره من أن يحل التعصب ضد الإسلام محل معاداة السامية. ودعا إلى أن "تتعامل دول وشعوب العالم بالكثير من الحكمة والحذر مع كل ما يمس معتقدات البشر واديانهم ومقدساتهم فالمساس بالمعتقدات الدينية أكبر خطر يهدد الاستقرار في العالم".

من جهة أخرى، دانت (منظمة العمل العربية) التي تتخذ من القاهرة مقراً لها "في شدة ما لجأت إليه صحيفة (ييلاندس بوستن) الدنماركية من خلال رسم كاريكاتوري للرسول الكريم يشكل إهانة للدين الإسلامي ورموزه".

أما في الأردن فقد أعادت أسبوعية (شيحان) المستقلة نشر ثلاثة رسوم كاريكاتورية كانت صحيفة دنماركية نشرتها للنبي محمد(ص)، بهدف (التنديد بها)، داعية في مقالها الافتتاحي المسلمين إلى (التعقل)، ما دفع الشركة الناشرة لها إلى سحب أعدادها من الأسواق، وفتح تحقيق لتحديد المسؤولين عن النشر ومعاقبتهم.

ونشرت الرسوم إلى جانب عنوان (انتفاضة إسلامية ضد الإساءة الدنماركية). ويُمثل أحد الرسوم النبي محمد(ص) مرتدياً عمامة في شكل قنبلة. وتضمن الموضوع (تنديداً بالإساءة إلى الرسول(ص)) وشرحاً موسعاً "للاستنكار" الذي عم العالم الإسلامي وردود الفعل.
 
كما نشرت الصحيفة لائحة بأسماء المنتجات الدنماركية "لمقاطعتها"، كما تضمن المقال الاعتذار الذي أصدرته صحيفة (ييلاندس بوستن) الدنماركية.

وفي افتتاحية بعنوان (يا مسلمي العالم تعقلوا)، تساءل رئيس تحرير (الأسبوعية) جهاد المومني: "أيهما يسيء إلى الإسلام أكثر من الآخر، أجنبي يجتهد في رسم الرسول(ص) أم مسلم يتأبط حزاماً ناسفاً ينتحر في حفل عرس في عمان أو أي مكان آخر"؟

وقال المومني: "تعمدت نشرها كي يعرف الناس الأمر على حقيقته ولم أنشرها بهدف الترويج، قصدت أن أشرح ما حدث، فقد قامت الدنيا ولم تقعد مع أن أحداً لم يعرف ما هي القصة بالضبط". وتابع: "نشرتها مواقع الكترونية وصحف أخرى لكنني أنشرها من موقع التنديد بها وإظهار مدى الإساءة المتعمدة".

وأضاف أن "الرسوم تتضمن إساءة وليس هناك ما يقنع فيها. فهي ليست عملاً صحافياً أو حتى فنياً (...) لكن الناس تهاجم أمراً لا تعرفه وما المانع من رؤيته"؟

3 ـ 2 ـ 2006

رفض رئيس الوزراء الدنماركي انديرس فوغ راسموسن الاعتذار عن نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد(ص) لأن الصحف (لا تخضع لسيطرة الدولة). وقال رئيس الحكومة المحافظ اثر اجتماع مع سفراء الدول الإسلامية في كوبنهاغن أن "الحكومة الدنماركية لا يمكنها أن تقدم اعتذاراً باسم صحيفة حرة ومستقلة".

وقال راسموسن للصحافيين اثر الاجتماع الذي عقده لشرح موقف بلاده من هذه الأزمة "إني سعيد بابلاغكم أن السفراء عبروا عن تفهمهم للوضع وعن إرادتهم للمساهمة في شرح الوضع في الدنمارك وموقف الحكومة الدنماركية".

وأعلن وزير الخارجية الدنماركي بير ستيغ مولر أن رئيس الوزراء "لن يقدم اعتذارات على الإطلاق" وأن الحكومة أكدت إدانتها (للأعمال التي تشهر بالإديان، لكن لا يعود إلى الحكومة التدخل في حرية التعبير).

ووجه مسؤولون مسلمون في النرويج نداء من أجل الهدوء. وقال رئيس المجلس الإسلامي محمد حمدان بعد لقاء مع وزير الخارجية يوناس غار ستوري أن "على الائمة تحمل مسؤولياتهم والتحدث إلى المسلمين خصوصاً الشباب، لتهدئتهم".

وأعلنت السفيرة المصرية منى عمر عطية بعدالاجتماع "تفهم موقف الحكومة" وقالت إن على صحيفة (ييلاندس بوستن) الدنماركية، التي نشرت الرسوم، أن تقدم "اعتذاراً واضحاً" للعالم الإسلامي.

واقترح المجلس على الحكومة (مبادرة عملية) لتوضيح الموقف من العالم الإسلامي، عبر اتصالات مع قادة دينيين ووسائل الإعلام.
 
وكرر ستوري الموقف الرسمي من هذه القضية، معبراً عن (الأسف) للإساءة إلى المسلمين والتأكيد على حرية التعبير.

واعتبر وزير الخارجية البريطاني جاك سترو أن قرار بعض وسائل الإعلام أعادة نشر أو استخدام الرسوم الكاريكاتورية التي تتناول النبي محمد(ص) "مهين ولا يراعي المشاعر"، واوضح سترو، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره السوداني لام اكول، (اعتبر أن نشر هذه الرسوم مجدداً كان مهيناً ولا يراعي المشاعر وكان خطأ).

ولوحظ أن وسائل الإعلام الأميركية امتنعت (حتى الآن) عن إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية بسبب الطبيعة (المهينة) لهذه الرسومات. وقال عدد من مديري التحرير في مؤسسات عدة أنه تتم تغطية أنباء الخلاف المتصاعد في شأن الرسوم لكن الصحف قررت عدم نشرها مجدداً أو بثها تلفزيونياً احتراماً لقرائها ومشاهديها.

وأوضح فريد هيات مدير تحرير الصفحة الرئيسية في (واشنطن بوست) لفرانس برس "إذا كنت في مواجهة أمر أعرف أنه سيسبب إهانة للكثير من قرائنا، سأفكر مرتين".

وعرضت شبكة (سي أن أن) الأميركية نسخاًعن الصحف الأوروبية، التي أعادت نشر الرسوم، لكنها لم تظهر الرسوم معتبرة أنها لا تريد إثارة حساسية مشاهديها.

وفي الأردن انتقد بيان أصدره الديوان الملكي أن ما فعلته صحيفة (شيحان) الأردنية "إفساد في الأرض لا يمكن قبوله أو تبريره بأي شكل كان".

وأضاف أن الملك عبد الله لن "يتسامح أو يقبل بأي إساءة تمس الدين الإسلامي أو أي دين سماوي آخر فالأردن صاحب الشرعية الدينية الذي يتمسك بمبادئ الإسلام القائمة على احترام الديانات السماوية وأنبيائها".

وختم البيان مؤكداً أنه "لن يسمح لأي جهة كانت أن تستغل حرية التعبير في الأردن للإساءة إلى النبي (ص) أو لأنبياء الله وللدين الإسلامي والديانات السماوية الأخرى أو الرموز الدينية".

وتظاهر آلاف الأشخاص في الأردن للتنديد وشدد خطباء المساجد على وجوب التمسك بالتعاليم الإسلامية. وندد خطيب بيت الله الحرام في مكة المكرمة بالرسوم وطالب "باجتماع الأمة الإسلامية بكل مذاهبها واتحاد مواقفها وشعورها". ودعا إلى (ضبط العواطف) وإلى الرد (برشاد).

ودعا وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري الدنمارك إلى تحرك رسمي وبرلماني "من أجل احتواء الأزمة" وإلى "محاسبة المقصرين ومنع تكرار مثل هذه الإساءات للرموز والمقدسات الإسلامية".

تظاهرات تعم مدن العراق احتجاجاً على نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد(ص)

وكان آلاف العراقيين تظاهروا في عدد من المدن احتجاجاً على نشر الرسوم وتجمع مئات الغاضبين بعد صلاة الجمعة قرب مسجد الفرقان في الفلوجة وأحرقوا كمية من البضائع الدنماركية وهم يهتفون (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

وفي مدينة الصدر حض الشيخ اوس الخفاجي أئمة المساجد إلى "الحديث عن الانتهاكات التي قامت بها الصحف الدنماركية وقاد الشيخ حازم الأعرجي تظاهرة صغيرة في الكاظمية شارك فيها مئات المصلين. وفي منطقة الأعظمية ذات الغالبية السنية أحرق مئات المصلين الغاضبين بعد صلاة الجمعة العلم الدنماركي".

وفي كربلاء ندد الشيخ أحمد الصافي، ممثل المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني، "بجرأة بعض الصحف المأجورة في النيل من الرسول الكريم(ص)".

وتظاهر أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني بعد صلاة الجمعة في باحة المسجد الأقصى في القدس الشرقية منددين بفرنسا والدنمارك والنرويج ولدى محاولة المتظاهرين الخروج من باحة المسجد الأقصى واجهتهم عناصر الشرطة ما دفعهم إلى الطواف داخل الباحة حتى مسجد الصخرة وهم يرددون رجالاً ونساء هتافات مناهضة للدنمارك والنرويج وفرنسا وأميركا.

وقال المتحدث باسم الشرطة ميكاي روزنفيلد "تم نشر نحو ألفي شرطي في القدس وحولها".

وفي باريس آثار نشر الرسوم انقسامات عميقة في فرنسا إذ أن وسائل الأعلام مدعومة بقسم كبير من الطبقة السياسية تدافع عن حرية الصحافة في مواجهة تنديدات الجمعيات الدينية. وشجبت المنظمات المسلمة في فرنسا البلد الأوروبي الذي يضم أكبر عدد من المسلمين، بقوة نشر هذه الرسوم الكاريكاتورية.

وفي الخرطوم جرت تظاهرة كبرى عقب صلاة الجمعة منددة بالإساءات التي وجهتها صحف غربية إلى الرسول(ص) وردد المتظاهرون هتافات تدعو إلى طرد القوات الدولية لحفظ السلام من السودان.

وفي الدوحة حض الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على استمرار مقاطعة السلع الدنماركية، وطالب بالضغط على الحكومات في سبيل أن تصدر الأمم المتحدة قانوناً يحرم الإساءة إلى الأنبياء والرسل والمقدسات الدينية.

وكان الشيخ القرضاوي يخاطب مهرجاناً شهدته الدوحة استجابة لدعوة أطلقها إلى جميع المسلمين للتعبير عن الغضب. و دعا إلى استمرار مقاطعة السلع الدنماركية، وطالب بالضغط على الحكومات في سبيل أن تصدر الأمم المتحدة قانوناً يحرم الإساءة للأنبياء والرسل والمقدسات الدينية.

وفي جاكرتا اقتحم حوالي 300 من المسلمين الغاضبين ردهة مبنى توجد به سفارة الدنمارك.

وفي دمشق تتواصل ردود الفعل الرسمية والشعبية الغاضبة ضد نشر الرسوم المسيئة لرمز الإسلام. وخصص أئمة المساجد خطبهم في صلاة الجمعة للتنديد بـ "الحملات المغرضة التي تستهدف النبي العربي الكريم والتي تمس قدسية الأنبياء جميعاً وتسيء للإسلام والمسلمين".

وأكد الأئمة "أن هذه الحملات والأفتراءات يقف وراءها اللوبي الصهيوني الذي يعمل على نشر الكاذيب والأضاليل مستهدفاً الإسلام والمسلمين، وايقاع العداوة بين أتباع الشرائع السماوية"، ودعوا إلى "ضرورة محاسبة المسيئين للأخلاق والقيم الروحية"، كما دعوا إلى "مقاطعة بضائع الدول التي تسيء للإسلام والمسلمين وتسعى لنشر بذور الفرقة والختلاف بين الشعوب والأمم"، مؤكدين "أن المسلمين يقدسون الأنبياء جميعاً و يحترمون المعتقدات لجميع الأديان".

وكانت سورية استدعت سفيرها في الدنمارك للتشاور، فيما قام السفير الدنماركي بدمشق أدلة اغبرغ ميكلسن بزيارة وزير الأوقاف زياد الدين الأيوبي وعبّر له عن "الألم والغضب الموجودين في الدنمارك نتيجة نشر تلك الرسوم)، وداعياً إلى (ضرورة فتح صفحة جديدة من خلال الدخول في حوار مبني على التفاهم واحترام العقائد الدينية ومعالجة هذه القضية المهمة".

كما أصدر مجلس الشعب السوري (البرلمان) بياناً أسف فيه لما نشرته بعض الصحف الوروبية من رسومات مسيئة للنبي الكريم، وناشد (البرلمانات العالمية للوقوف بوجه هذه الحملات المغرضة بحق الإسلام ومشاعر المسلمين ومحاسبة المتسببين فيها).

وفي بيروت تواصلت تطورات قضية نشر الكاريكاتورات المسيئة إلى النبي محمد(ص). وأعلن مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني بعد استقباله سفير الدنمارك في لبنان ودمشق أولي اغبرغ ميكلسن عن مساع لدى الأمم المتحدة إلى استصدار نظام يمنع ويجرم و يعاقب على الإساءة والتحقير بحق أنبياء الله.

وأكد قباني أن صحيفة (ييلاندس بوستن) الدنماركية أساءت إلى الإسلام وأن عليها أن تعترف بإساءتها وتعتذر على صفحاتها من المسلمين في العالم اعتذاراً صريحاً وواضحاً، وأن تتيح على صفحاتها لأحد الكتاب المسلمين المشهورين كتابة التعريف بالإسلام.

وكان نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أكد خلال مجلس عزاء، أنّ "هناك عودة عالمية على مستوى العالم الإسلامي وعلى مستوى الأحرار لدين الله"، مشيراً إلى أن "هذه العودة التي لا يرغب بها الماديون تشكل حالة من الحصانة تقوينا وتجعلنا نستفيد من إمكاناتنا وطاقاتنا وبلداننا، و هم لا يريدون لنا ذلك، لذلك يلجأون إلى أساليب ملتوية ومنحرفة".

وأضاف: "المسألة ليست مسألة حرية رأي، وقد رأيتم اليوم أن عدداً من وسائل الإعلام الأجنبية في بلدان غير الدنمارك والنرويج فعلت الفعل نفسه تضامناً مع أولئك الذين أساؤوا إلى النبي(ص)، ليس من أجل حرية الرأي ، وإنما من أجل أن تشيع هذا المخطط المدروس".

وفي الإطار نفسه، استنكرت الرابطة اللبنانية للروم الأرثوذكس في بيان لها "ما ورد في إحدى الصحف الأوروبية من إساءة إلى النبي محمد(ص)"، مطالبة المجتمع الدولي وكل وسائل الإعلام والإعلاميين "بعدم الإساءة إلى الأديان السماوية والرسل والأنبياء، بل أن يكونوا واسطة خير وتفاهم بين الجميع ".

وفي القاهرة، تظاهر حوالي ألف شخص في الجامع الأزهر في القاهرة بعد صلاة الجمعة، تنديداً بالرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد(ص) التي نشرتها إحدى الصحف الدنماركية.

وندد المتظاهرون بالكاريكاتور وإعادة نشره في صحف أوروبية أخرى. وأكدوا رفضهم" كل أنواع التعاون مع الدول التي أساءت للرسول، وعلى رأسها الدنمارك". وجددوا الدعوة لمقاطعة بضائع الدنمارك، والدول التي أساءت للإسلام والرسول(ص) بإعادة نشر الرسوم.

وأحرق المتظاهرون علم الدنمارك، ورفعوا لافتات كتبوا عليها (تسقط الدنمارك) و (يسقط أعداء الإسلام). ومنعت قوات الأمن المتظاهرين من الخروج من جامع الأزهر، واستمرت تظاهرتهم في صحن الجامع.

وفي البحرين نددت أكثر من 13 مسيرة بالإساءات الصريحة، التي وجهتها مجموعة من الصحف الدنماركية والاوروبية إلى الإسلام عبر كتابتها ونشرها لرسوم تسيء إلى النبي.

وخرجت المسيرات، التي نظمتها جمعيات سياسية ومدنية كجمعيات، الاصالة (السلف) والمنبر الإسلامي (الأخوان المسلمون) والشورى الإسلامية (الزهريون) والوفاق الإسلامية (الشيعة) بمشاركة عشرات الآلاف من المواطنين والمقيمين، رافضين الإساءة الصريحة للرسول ومطالبين باتخاذ المواقف الواضحة من الجهات المسيئة.

وتقدم المسيرات السنية والشيعية رجال دين وعلماء وشيوخ داعين الجماهير المسلمة إلى استخدام الوسائل الرافضة للإساءة ومن بينها الدعوة العامة لمقاطعة المنتجات الدنماركية ومطالبة الدنمارك بالاعتذار الرسمي للمسلمين على الإساءة لمشاعرهم من خلال الرسومات الكاريكاتورية المسيئة وانطلقت المسيرات بعد صلوات الجماعة والجمعة في مختلف مناطق البحرين.

ومن جهة أخرى قال النائب البرلماني السلفي المستقل الشيخ جاسم السعيدي، العضو في مجلس النواب البحريني، رئيس لجنة الرفاع للدفاع عن الرسول(ص) أن اللجنة "تلقت بعض الاتصالات من الصناديق الخيرية والناشطين في المجال الديني والسياسي الذين أبدوا رغبتهم ونيتهم في التعاون مع اللجنة ومناصرتها والمساهمة في جمع أكبر عدد ممكن من المناصرين".

من جهة أخرى أكد الدكتور أكمل الدين أحسان أوغلو الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي في البحرين أن المنظمة تجري في الوقت الراهن إتصالات واسعة لعقد اجتماع طارئ لوزراء خارجية الدول الإسلامية من أجل البحث في كيفية مواجهة إساءة بعض الصحف الوروبية إلى الرسول(ص).

وفي باريس زار السفراء العرب المعتمدون وزارة الخارجية الفرنسية، لتبادل الرأي معها في شأن الرسوم الكاريكاتورية التي آثارت ردود فعل غاضبة واستياء في أوساط المسلمين في فرنسا والعالم العربي.

وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية جان باتيست ماتييه إن "الموقف الذي تبلغه السفراء هو نفسه الذي ردده المسؤولون الفرنسيون ومفاده أن حرية الصحافة ينبغي أن تُصان في ظل احترام المعتقدات الدينية".

وعبّر عن أمله باحلال التهدئة وتفادي التصعيد، مشيراً إلى أن السفراء العرب، الذين حضروا جميعاً إلى مقر وزارة الخارجية حيث التقوا كبار الموظفين فيها نظراً إلى وجود وزير الخارجية فيليب دوست بلازي في رحلة خارج فرنسا، أبدوا استعدادهم لنقل الموقف إلى دولهم.

وقال ماتييه إن تبادل الاراء مع السفراء "أظهر أنهم بدورهم يحرصون على تفادي التصعيد والحؤول دون أن تؤدي هذه القضية إلى تأجيج التطرف في دول المنطقة".

وعن دعوات المقاطعة للبضائع الدنماركية والفرنسية التي تبعت نشر الرسوم، قال ماتييه إن فرنسا تعارض مثل هذه الدعوات عموماً، خصوصاً أنها تحض على التصعيد ولا تخدم مساعي التهدئة.

جزائرياً اهتز مبنى التلفزيون بعدما بثت القناة، الناطقة بالفرنسية، (كانال ألجيري) في نشرتها الخبارية صورة الصحيفة الدنماركية وظهر على صدر صفحتها رسم كاريكاتوري يسيء إلى الرسول(ص).

وبمجرد انتهاء نشرة الأخبار صدرت تعليمات عليا بتوقيف الصحافية، التي كانت وراء اختيار هذه المشاهد وبثها و بقي منصب رئيس التحرير معلقاً في انتظار تحديد موقف من مدير القناة.

وكانت الجزائر دانت بشدة نشر صحف دنماركية للرسوم لكن بث التلفزيون الرسمي أحداها آثار الدهشة وغضب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي استنكر الأمر وطلب التحقيق وإنزال العقوبة بالمسؤولين.

إلى ذلك، احتدم الصراع على الانترنت بين مؤيدي نشر الرسوم وبين المعارضين من المسلمين الذين لم يترددوا في الدعوة إلى (حرب إلكترونية) ضد كل موقع يسيء إلى الرسول(ص).

4 ـ 2 ـ 2006

أحرق آلاف المتظاهرين السوريين سفارتي الدنمارك والنرويج في دمشق وذلك في وقت توالت ردود الفعل على الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد والتي نشرتها في بادئ الأمر صحيفة دنماركية في أيلول الماضي.

وطوق المتظاهرون السوريون سفارة الدنمارك بعد ظهر في حضور خجول لقوات الأمن السورية. وأقدم المتظاهرون بعد أن تجاوزوا عناصر الشرطة على تسلق مجمع لمبنى سفارة الدنمارك والسويد ومجموعة شركات سورية ومبان سكنية وسط حي أبو رمانة وأضرموا النار بعد تكسير الزجاج وخلع الأبواب والشبابيك والدخول إلى مبنى السفارة.

وبعد أن فرغ المتظاهرون من السفارة الدنماركية توجهوا إلى حي المزة حيث مقر السفارة النرويجية وقاموا برفع علم إسلامي عليها وأضرموا فيها النيران ما أدى إلى انفجار اسطوانات الغاز وأنابيب التدفئة وخزانات الوقود واشعال المبنى المكون من أربعة طوابق.

وحاول عناصر الشرطة السيطرة على المتظاهرين لكن، ولقلة عناصر حفظ النظام، فقدوا السيطرة على الآلاف من المتظاهرين الذين أجتاحوا شوارع دمشق ما أدى إلى اضطرار قيادات أمنية كبيرة وبارزة للنزول إلى الشارع للتحكم به وضبطه بعد أن خرج عن سيطرتهم لبضع ساعات.

واعتقلت الشرطة السورية متظاهرين تردد أنهم كانوا يحملون اسلحة خفيفة. كما منعت الشرطة وصول المتظاهرين إلى مبنى السفارة الفرنسية مستخدمة القنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه فيما رشق المحتجون بمنى السفارة من دون أن تصاب بأضرار تذكر.

وفي الأراضي المحتلة، حشدت الحركة الإسلامية التي تنشط بين سكان عرب اسرائيل أكثر من عشرة آلاف شخص في مدينة الناصرة في شمال إسرائيل للتعبير عن الاحتجاج على الرسوم الكاريكاتورية.

وفي غزة حاول شبان فلسطينيون اقتحام مكتب الاتحاد الأوروبي احتجاجاً على نشر الرسوم الساخرة للنبي محمد(ص).

في تصعيد جديد لأزمة نشر صحيفة دنماركية 12 رسماً كاريكاتورياً مسيئاً إلى النبي محمد(ص)، اقتحم فلسطينيون مقر الاتحاد الأوروبي في مدينة غزة، بعد أيام على إقدام مسلحين من (كتائب شهداء الأقصى) التابعة لحركة (فتح) على إغلاقه، واقتحم متظاهرون مركزاً ثقافياً المانيا وخربوا محتوياته قبل أن يحرقوا العلم الإلماني داخله.

وأفاد شهود أن عشرات الشباب الفلسطينيين اقتحموا مقر الاتحاد الاوروبي في غزة ورشقوه بالحجارة احتجاجاً على نشر الرسوم الكاريكاتورية، قبل أن تأتي الشرطة إلى المكان وتفرق المتظاهرين. كما القى مسلحون أول من قنبلة يدوية على مركز ثقافي فرنسي في غزة. وأوضح الشهود أن عشرات الفتيان والتلاميذ دخلوا المقر ورشقوه بالحجارة واعتلوا سطح المبنى، وهم يرددون "فداك يا رسول الله". ووصل إلى المكان عشرات من عناصر الشرطة الفلسطينية في سيارات جيب وأطلق بعضهم النار في الهواء وأخرجوا المتظاهرين الذين دخلوا المقر وفرقوهم. وأفاد أحد مصوري وكالة (فرانس برس) أن شرطيين أصيبا نتيجة تعرضهما لرشق بالحجارة.

وفي السياق ذاته، قال المسؤول في (حركةالمقاومةالإسلامية) (حماس) محمود الزهار في حديث إلى صحيفة (إيل جيورنالي) الايطالية: "كان علينا قتل جميع الذين يهينون النبي لكننا نحتج في سلام"، واصفاً نشر الرسوم بأنه "إهانة لا تغتفر"، لافتاً إلى أن أوروبا "لم تفعل شيئاً لتتصالح مع العالم الإسلامي".

وفي الرباط، اعتبر رئيس الوزراء المغربي أدريس جطو أمام اجتماع حكومي أن نشر تلك الرسوم بدعوى حرية الصحافة "يستهدف المس بمعتقدات الأمة الإسلامية". وكان ناشطون في تنظيمات إسلامية وحقوقية تظاهروا ليل الجمعة الماضي أمام البرلمان المغربي احتجاجاً على نشر الصحافة الدنماركية الرسوم وطالبوا الحكومة المغربية باتخاذ موقف صارم. كما رددوا شعارات تطالب بمقاطعة البضائع والمنتوجات الدنماركية وأي دولة أخرى تستفز المشاعر الإسلامية.

وفي بغداد، طالب تجمع لشخصيات دينية إسلامية وغير إسلامية تمثل جميع الطوائف الدينية العراقية بسن قانون دولي يحول دون نشر أي إساءات ضد قيم ومفاهيم ورموز دينية مقدسة لدى الأمم ودان التجمع الذي حضره رجال دين عراقيون بينهم ممثلون عن (هيئة علماء المسلمين) والزعيم السيد مقتدى الصدر وبطريرك بابل لكلدان العراق، إضافة إلى رئيس طائفة الصابئة في العراق والعالم، نشر صحف أوروبية الرسوم. وقال المجتمعون في بيان إنهم "يشجبون ويستنكرون كل من استهدف الكنائس وضربها بحجة الدفاع عن النبي الأكرم(ص)"، مشيرين إلى "أن هذا الفعل لا يمت إلى الإسلام باي صلة".

إلى ذلك، ندد بطريرك القدس لطائفة اللاتين ميشال صباح في أبو ظبي بالرسوم الكاريكاتورية، معتبراً أن هذا الفعل صدر عن القسم (الذي لا يؤمن) في الغرب. وقال صباح: "أدين (نشر هذه الرسوم) ولا يجوز أن يجرح إنسان إنساناً آخر فكيف بالأحرى أن يخدش مشاعره الدينية وهي أعمق ما في الإنسان. فبأي حق يجوز لأي إنسان أن يعتدي على إنسان آخر، علماً أن جرح الإحساس الديني هو من الاعتداءات الكبرى للمؤمن".

وفي الناصرة، تظاهر حوالي أربعة آلاف شخص احتجاجاً على نشر صحف أوروبية رسوماً كاريكاتورية مسيئة إلى النبي محمد(ص)، وتلبية لدعوة (الحركة الإسلامية). وهتف المشاركون في التظاهرة (بالروح بالدم نفديك يا رسول )، في حين رفعت لافتات كتب عليها (كلنا فداك يا رسول الله) و (الإساءة إلى الرسول محمد(ص) إساءة إلى جميع المسلمين في الأرض) ولو عرفتم رسول الله(ص) ما أسأتم إليه). ولوحظ غياب كامل لعناصر الشرطة الإسرائيلية عن مكان التظاهرة التي تقدمها رئيس (الحركة الإسلامية) الشيخ رائد صلاح الذي قال إن الإساءة إلى النبي هي "نتيجة تهجم الولايات المتحدة ورئيسها جورج بوش الأبن الذي استباح الإسلام حتى باتت دول مثل الدنمارك تتجرأ وتسيء إلى الرسول الأعظم(ص)".

أوروبياً تواصلت ردود الفعل المتضامنة مع الدنمارك، ففيما اعتبرت ألمانيا أن على كوبنهاغن ألا تشعر بأنها معزولة، طالب الاتحاد الأوروبي بـ (الاحترام المتبادل) بين أوروبا والعالم الإسلامي، في أعقاب الاحتجاجات الواسعة والعنيفة أحياناً على نشر هذه الرسوم.

ودانت المستشارة الألمانيا أنغيلا ميركل أعمال العنف المرافقة للاحتجاجات على نشر الرسوم، معتبرة أن "تشريع اللجوء إلى العنف غير مقبول". وقالت ميركل خلال مؤتمر حول الأمن يعقد في ميوني: "أتفهم أن مشاعر دينية جُرحت، لكن أريد أيضاً أن أقول إنني أعتبر تشريع اللجوء إلى العنف على هذا الأساس غير مقبول". ورأت أن "ما من سبب لتدخل الدولة والحكومة الألمانيتين، فيجب ضمان حرية التعبير". وتابعت: "لدي شعور بأن ذلك هو موقف الدول العضاء" في الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن الدنمارك يجب ألا تشعر بأنها (معزولة).

إلى ذلك، دعا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا إلى "الاحترام المتبادل" مضيفاً في حديث إلى صحيفة (بيلد أم سونتاغ) الألمانية أن "التسامح والاحترام المتبادل يلعبان دوراً مهماً بمثل أهمية مبدأ حرية التعبير".

وزاد: "إنني على اتصال دائم مع مسؤولي دول إسلامية وحكومات عربية، وأحاول تهدئة الوضع والدعوة إلى الحوار والاحترام المتبادل".

وفي نيويورك، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان مجدداً عن (قلقه وحزنه) للجدل القائم حول نشر الرسوم، لكنه دعا (أصدقائي المسلمين) إلى قبول اعتذارات الصحيفة الدنماركية، وقال أنان: "أشاطر أصدقائي المسلمين حزنهم إذ يعتبرون أن هذه الرسوم تهين ديانتهم. وأدافع أيضاً عن حرية الصحافة. لكن هذه الأخيرة ليست مطلقة فهي تشتمل على مسؤوليات. المهم هو أن الصحيفة التي نشرت الرسوم الكاريكاتورية اعتذرت".

وكان أنان صرح بأن: "حرية الصحافة يجب أن تمارس دائماً مع احترام كامل للمعتقدات وأسس جميع الديانات". ودعا الأمين العام للمنظمة الدولية "أصدقائي المسلمين إلى الصفح باسم الله الرحيم" وإلى "قبول اعتذارات الصحيفة التي نشرت الرسوم" والى "المضي قدماً". وأضاف: "أدعو الجميع إلى الامتناع عن اتخاذ إجراءات من شأنها أن تؤدي إلى تفاقم الوضع". وقال: "يجب عدم اتخاذ إجراءات من شأنها معاقبة جميع الأمة الدنماركية أو أوروبا برمتها على أفعال ارتكبها أفراد". وختم بالقول: "أظن أن على أخواني المسلمين أن يقبلوا تالياً الاعتذارات".

وفي السياق ذاته، أنضم الرئيس الأندونيسي سوسيلو بامبانغ يودويونو ورئيس الوزراء الماليزي عبد الله أحمد بدوي إلى الأصوات المدينة لنشر الرسوم، لكنهما دعيا المسلمين في بلديهما إلى التحلي بضبط النفس. ودان الرئيس الأندونيسي سوسيلو بامبانغ يودويونو نشر الرسوم الكاريكاتورية، داعياً الأندونيسيين إلى الهدوء. وقال أمام الصحافيين إن "نشر الرسوم الكاريكاتورية ينطوي بوضوح على عدم مراعاة لمعتقدات مجموعة دينية". وتمكن أعضاء من منظمة (جبهة المدافعين عن الإسلام) المتطرفة من دخول حرم مبنى السفارة الدنماركية لفترة وجيزة قبل أن يطردهم رجال الأمن.

ومن جهته، وصف رئيس الوزراء الماليزي في بيان له نشر الرسوم بأنه تصرف مؤسف و "تجاهل صارخ لمشاعر المسلمين". وأضاف عبدالله وهو الرئيس الحالي لمنظمة المؤتمر الإسلامي أن "هذا عمل استفزازي متعمد. يجب أن يتوقفوا ويكفوا عن فعل ذلك". وتابع: "لندع مرتكبي تلك الإهانة يرون خطورة أخطائهم... والتي لا يمكن أحداً غيرهم أن يصححها، وعليهم أن يفعلوا ذلك".

إلى ذلك، استدعت الخارجية الباكستانية سفراء تسع دول أوروبية نشرت صحف فيها الرسوم، وهي ألمانيا وسويسرا وفرنسا وايطاليا واسبانيا وهولندا والنرويج والمجر وجمهورية التشيك للاحتجاج على الإساءة إلى النبي محمد(ص).

وفي طهران، أعلن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أنه أعطى تعليمات بفسخ عقود اقتصادية أبرمتها إيران مع الدنمارك ودول نشرت صحف فيها الرسوم المسيئة إلى النبي محمد(ص). وقال: "يجب إعادة النظر وإلغاء العقود الاقتصادية مع دول بدأت هذا العمل المقيت (الدنمارك) وتلك التي تبعتها"، كما نقلت عنه وكالة الأنباء الطالبية. وبرر أحمدي نجاد قراره مندداً "بالاهانة التي وجهها بعض وسائل الإعلام الغربية إلى النبي، والتي تظهر حقداً إزاء الإسلام والمسلمين يكنه الصهاينة الذين يحكمون هذه الدول"، لافتاً أيضاً إلى "عدم وجود تحرك جدي من جانب مسؤولي هذه الدول".

وفي أول تعليق على الأزمة، اعتبر الفاتيكان أن بعض أشكال الانتقاد يمثل "استفزازاً غير مقبول"، مستنكراً أعمال العنف التي وقعت خلال الاحتجاجات. لكن الفاتيكان شدد في بيان على أن "حق حرية التفكير والتعبير... لا يتضمن حق إهانة المشاعر الدينية للمؤمنين".

في لندن وإثر إتصال أكثر من 800 مشاهد للإعراب عن احتجاجهم على بث رسوم كاريكاتورية مسيئة إلى النبي محمد(ص)، اعتذرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) عن بثها، فيما امتنعت جميع الصحف البريطانية عن إعادة نشرها. لكن صحيفتين في نيوزيلندا أعادتا نشر هذه الرسوم، لتكونا بذلك أول صحيفتين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ تفعلان ذلك، ما استدعى تحذيراً من اتحاد الهيئات الإسلامية في نيوزيلندا في شأن الانعكاسات الاقتصادية لهذه الخطوة.

ونُشرت الرسوم في صحيفتي (دومينيون بوست) و (ذا برس) في نيوزيلندا وهما مملوكتان لمجموعة (فيرفاكس) الأسترالية. وقال رئيس تحرير (دومينيون بوست) تيم بانخورست إن "من المهم أن يرى قراؤنا ما تدورحوله تلك الضجة وأن يحكموا عقولهم. إن مجتمعنا علماني قائم على المثل الغربية للتسامح والحوار المفتوح... على رغم أن ذلك ربما يسيء في شكل عرضي" إلى المسلمين. وأضاف: "لا نرغب في أن نكون استفزازيين في شكل متعمد، لكن لا ينبغي أيضاً أن نسمح بأن يتم ترهيبنا".

في المقابل، اعتبر رئيس اتحاد الهيئات الإسلامية في نيوزيلندا جواد خان أن قرار نشر الرسوم الساخرة قد تكون له انعكاسات على الاقتصاد. وأضاف لصحيفة (دومينيون بوست): "لن ندعو إلى المقاطعة... ولا نريد أن نرى أحداً يقاطع... غير أن الأخبار تنتقل حول العالم في سرعة كبيرة". ومعلوم أن نيوزيلندا هي أكبر مصدر للحوم الخراف في العالم غير أن (هيئة صناعة اللحوم) أكدت أن صادرات البلاد إلى الشرق الأوسط شكلت فقط أربعة في المئة من إجمالي صادراتها في السنةالتي انتهت في أيار 2004.

وفي الرباط، كشف مصدر قضائي أن المدعي العام في محكمة الاستئناف طلب الاستماع إلى إفادات مدير صحيفة (النهار المغربية) الصحافي عبد الحكيم بديع حول نشره الرسوم نقلاً عن مواقع الكترونية، وهو ما بررته الصحيفة بالرد على محاولات الإساءة إلى نبي الإسلام (ص). وجاءت المتابعة على خلفية حظر السلطات المغربية عدد صحيفة (فرانس سوار) الأربعاء الماضي بسبب نشرها الرسوم.

وأدلى رئيس إدارة الخبار في الـ (بي بي سي) بيتر هوروكس بحديث خاص إلى الموقع الألكتروني للهيئة للاعتذار وتبرير بث هذه الصور. وقال هوروكس "إن من الواضح أن بي بي سي لا تريد أن توجه أي إهانة لأي شخص في أي جانب من هذا الجدل القائم"، مضيفاً أنه "إذا كان أي طرف فيهذا الجدل قد شعر بالإهانة فإنني بطبيعة الحال قلق وأقدم اعتذاري على ذلك". وكانت الصحف البريطانية امتنعت عن نشر هذه الصور، معتبرة أن ذلك فعل خطئ. وأبدت صحيفة (ذي تايمز) قلقاً من احتمال استغلال جماعات إسلامية متطرفة نشر هذه الصور لشن عمليات إرهابية في دول أوروبية. وطالب متظاهرون في لندن بالدعوة إلى (حرب مقدسة) في بريطانيا، وبقتل رؤساء تحرير الصحف والمذيعين المسؤولين عن عرض هذه الصور على شاشة (بي بي سي). لكن أخطر ما برز خلال تظاهرة لندن رفع لافتات تشيد (بالـ 19 شخصاً الرائعين) في إشارة إلى منفذي هجمات (11 أيلول)، فيما أشاد متظاهرون بمنفذي تفجيرات لندن في السابع من تموز الماضي.

أما الدنمارك فقد شهدت ثلاث تظاهرات نظم إحداها مسلمو هذا البلد احتجاجاً على نشر صحيفة دنماركية 12 رسماً كاريكاتورياً مسيئاً إلى النبي محمد(ص)، فيما احتج اليمين المتطرف على حرق العلم الدنماركي و "الاعتداء" الإسلامي على كوبنهاغن.

كما تجمع متظاهرون من اليسار المتطرف في مدينة هيلرود شمال غربي كوبنهاغن احتجاجاً على تعبئة اليمين الدنماركي المتطرف الذي دان (اعتداء) للمسلمين على الدنمارك. وفي أعقاب تظاهرة اليسار المتشدد، نظمت مسيرة لليمين المتطرف في المدينة ذاتها، وسط مخاوف الشرطة من حصول أعمال عنف.

وبحسب شرطة كوبنهاغن، فإن ناشطي (حزب الشعب الاشتراكي) (يسار متطرف) أرادوا الاحتجاج على تجمع اليمين المتطرف (الجبهة الدنماركية) الذي دان على موقعه على الانترنت "تساهل النخبة في الدنمارك في مواجهة الاعتداءات الأخيرة للمسلمين على بلدنا وعلمنا". وأعرب الناطق باسم شرطة كوبنهاغن فليمينغ ستين مونش عن خشيته من وقوع أعمال عنف، متوقعاً "أن يظهر ناشطون فوضويون ومثيرو اضطرابات خلال هذه التظاهرة"، وذلك قبيل بدء مسيرة اليسار المتطرف.

من جهتها، دعت (الجبهة الدنماركية) مناصريها إلى التظاهر (في هدوء)، واعتبرت أن التظاهرة المضادة لليسار التي اعتبرتها (مسيرة مؤيدي المسلمين) ستتيح "الكشف أمام المسلمين أن في المكان أن نكون على خلاف في نظام ديموقراطي يعمل كما هو الحال عليه في الدنمارك".

وفي كوبنهاغن، اشتبك شبان مسلمون مع الشرطة بعدما منعتهم من الصعود إلى حافلة كانت ستنقلهم إلى تظاهرة إسلامية في شمال العاصمة. وألقى حوالي 300 شاب زجاجات وحجارة على رجال الشرطة، قبل تفريقهم وذلك من دون وقوع إصابات. وعلى رغم وجود حوالي مئتي ألف مسلم في الدنمارك، إلا أن الجالية المسلمة لم تنظم تظاهرات حاشدة للاحتجاج على نشر الرسوم.

وفي غضون ذلك، عززت صحيفة (ييلاندس بوستن) التي كانت أول من نشر هذه الرسوم، الإجراءات الأمنية في مقرها ونشرت حراساً على مدخل مكاتبها.

من جهة ثانية، أشار استطلاع للراي أجرته الإذاعة الدنماركية أول من إلى أن الدنماركيين منقسمون حول نشر رسوم كاريكاتورية للنبي محمد(ص) في الصحافة. وبحسب هذا الاستطلاع الذي شمل عينة من 509 أشخاص تزيد أعمارهم عن الثامنة عشرة، فإن 47 في المئة من الدنماركيين يعتبرون أنه كان يفترض بصحيفة (ييلاندس بوستن)، ونظراً إلى ردود الفعل العنيفة من المسلمين، الامتناع عن نشر هذه الرسوم الكاريكاتورية.

5 ـ 2 ـ 2006

في بيروت انحرفت التظاهرة التي دعت إلهيا (الحملة اللبنانية لمواجهة الإساءات الدنماركية) عن هدفها المعلن، وهو استنكار نشر الصور المسيئة إلى الرسول محمد(ص)، وتحولت منطقة التباريس في الأشرفية إلى ساحة مواجهة بين قوى الأمن والمتظاهرين بعد أعمال شغب طاولت الأملاك العامة والخاصة ولم توفر حتى دور العبادة.

فمنذ العاشرة غصت الطرق المؤدية إلى الأشرفية من ناحية بشارة الخوري بآلاف المحتشدين تلبية لدعوة الجماعة الإسلامية ومنظمات أخرى وبمباركة من دار الفتوى. ورفع المشاركون الرايات الخضر والسود، والشعارات.

لكن، ما الذي أخرج الاعتصام عن طابعه المقرر سلفاً؟

لم يكن ثمة فاصل زمني يذكر بين وصول أول فوج من أفواج المتظاهرين وبين انطلاق شرارة المواجهة الولى مع عناصر قوى الأمن على بعد 300 متر من مبنى القنصلية الدنماركية. ولم يصمد الحاجزالذي أقامه العسكريون بمساندة سيارتين للدفاع المدني على مدخل التباريس، إلا دقائق عدة، اقتلعت على أثرها الأسلاك الشائكة من جذورها، ورميت حواجز الحديد بعيداً، فيما نجح المعتصمون في (تحرير) السيارتين من عناصرالدفاع المدني.

المشهد السابق لم ينذر بوجود خطة أمنية حقيقية لمواجهة المعتصمين، إذ اقتصر دور العسكريين على إلقاء القنابل المسيلة للدموع في اتجاه المتظاهرين، ثم تلقي أخرى رميت عليهم من جهات مجهولة.

ومع وصول الأفواج الأخرى، انضم المتظاهرون الجدد إلى السابقين، وهجم الجميع دفعة واحدة على الحاجز، فاجتاحوه. ثم قفز من استطاع إلى ظهر السيارتين، لرفع الأعلام، واكملوا الطريق نحو الهدف.

ومع تأمين الوسيلة، كان تحديد الوجهة هو الخطوة المنطقية التالية. وبالتالي باشر المتظاهرون بالاستفسار عن مكان القنصلية الهدف، من دون أن يفلح رصاص العسكريين الحي (أطلق في الهواء) في عرقلة مسيرتهم.

وبما أن الهدف ما زال بعيداً، أضرم المحتجون النار بسيارة للدفاع المدني، ورشقوا كنيسة مار مارون المجاورة بالحجارة، وقلبوا سيارة كانت مركونة خارجها. كما استغلوا الوقت الإضافي في تكسير السيارات المركونة على جانبي الطريق. واستخدم البعض العصي والحجارة في تحطيم كل ما تقع عليه أعينهم، من محلات وممتلكات خاصة. وقلبوا مستوعبات القمامة على الأرض، محاولين تحطيمها بعصي أعلامهم. كما احرقوا العلم الدنماركي أكثر من مرة.

ومع اقتراب المتظاهرين من الهدف، كثف العسكريون من استخدامهم الرصاص الحي.

وبعد نحو ساعة ونصف، وصل المتظاهرون إلى غايتهم في التباريس، على رغم محاولات رجال الدين (منظموا التحرك) منعهم القيام بأعمال الشغب، فنال العلماء نصيبهم من اللكمات والحجارة.

وفي الموقع المقصود، كان مبنى القنصلية واحداً من ثلاثة مبان أحدها سكني، والآخر فيه مكتب إعلامي لأحدى الشركات، والثالث فيه القنصلية. فكسروا بداية المكتب الإعلامي، واخرجوا محتوياته على الأرض، ولما اكتشفوا أنه ليس هو المقصود، غادروه محملين بغنائم ليس أقلها ماكينة كهربائية لتحضير القهوة وهواتف منزلية.

أما الدمار الأكبر، فكان من نصيب القنصلية التي غادرها طاقمها ليل . وأضرم المتظاهرون النار في المبنى لتحقيق الهدف، ترافقهم صيحات: (الله أكبر). واعتق المنتصرون البناية الثالثة، بعدما خرج أحد قاطنيها، معلناً أنها سكنية، وفيها الكثير من الأطفال.

ولم تتمكن فرق الإطفاء من الوصول إلى المبنى المحترق، إلا بعد أكثر من ساعة، بعدما صعد عدد من الشيوخ على متنها، في محاولة للتوسط بين الأمنيين والمعتصمين.

ونحو الساعة الواحدة ظهراً، قطع الجيش الطريق إلى الأشرفية معلناً انتهاء الاعتصام.وغادر المتظاهرون منطقة التباريس التي بدت كأنها ساحة حرب. ونقل الجرحى من الطرفين، الذين تضرر بعضهم بفعل القنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي (3 أشخاص) إلى المستشفيات. وفيما بعد علم أن شاباً قد سقط جراء هذه الأحداث.

سورياً أعربت وزارة الخارجية عن "أسفها لوقوع أعمال عنف" اسفرت عن إحراق السفارتين الدنماركية والنرويجية في دمشق، معتبرة أنه من غير الجائز الاخلال بأمن البلاد على "رغم تفهم مشاعر الغضب الشعبي الكبير للإساءات التي استهدفت الرسول الكريم(ص)".

ورداً على اتهام الخارجية الدنماركية سورية بـ "عدم القيام بواجبها وعدم حماية السفارة"، أكدت الخارجية السورية في بيان التزام دمشق "الاتفاقات الدولية المتعلقة بضمان أمن السفارات وأعضائها" لافتة إلى أن "لا صحة على الإطلاق عن وجود أي تهديدات تستهدف رعايا بعض الدول".

تزامن ذلك مع تنديد (منظمة المؤتمر الإسلامي) بإحراق السفارتين الدنماركية والنرويجية، معتبرة في بيان "أن ردود الفعل المفرطة التي تتجاوز حدود التحركات الديموقراطية السلمية... خطرة وتلحق الضرر بجهود الدفاع عن قضية مشروعة للعالم الإسلامي". وقال الأمين العام للمنظمة أكمل الدين إحسان أوغلو إن وزير الخارجية الدنماركي طلب الاجتماع به سريعاً في مقر المنظمة في جدة، بهدف تطويق تداعيات الأزمة. مضيفاً: "حملت رسالة الوزير (الدنماركي) أسف حكومته، وحرصها على تطويق تداعيات حادثة النشر".

وكشف الأمين العام للمنظمة عن إتصالات أجراها مع وزراء خارجية الدول الأعضاء، لتحديد موعد انعقاد مؤتمر وزاري عاجل، يخصص لبحث أزمة الغضب الإسلامي من حادثة نشر الرسوم الكاريكاتورية الساخرة بنبي الإسلام. وأكد إحسان أوغلو اتصاله بوزيرالخارجية السوري فاروق الشرع، "الإعراب عن رفضنا لما حصل في دمشق ووعدني بمحاسبة المتورطين في حرق مقري سفارتي الدنمارك والنرويج". وأعرب عن خطورة ما حدث في العاصمة اللبنانية بيروت، مشيراً إلى أن الرد على تطاول الإعلام الغربي ربما يتجه إلى مسار أكثر توتراً، لا يخدم حق المسلمين في الدفاع عن رسولهم الكريم.

في المقابل، دان الاتحاد الوروبي الاعتداءات ضد السفارات ومكاتب التمثيل الأوروبية في الأراضي الفلسطينية وسورية، في حين أكدت الدنمارك والنرويج أن إحراق سفارتيهما في دمشق "مرفوض تماماً".

وحملت واشنطن سورية المسؤولية عن إحراق السفارتين لأن مثل هذه التظاهرات "لا تحدث في هذا البلد من دون علم الحكومة وتأييدها". لكن دمشق ألقت باللوم على الدنمارك في التظاهرات لرفضها الاعتذار عن نشر الرسوم، في وقت بدأ مواطنون من الدول الاسكندنافية بمغادرة سورية بناء على طلب حكوماتهم، بحسب وكالة (أسوشييتد برس).

وفي فيينا، دانت رئاسة الاتحاد الأوروبي التي تتولاها حالياً النمسا موجة الاعتداءات التي طالت السفارات و مكاتب التمثيل الوروبية في دمشق والأراضي الفلسطينية، معتبرة أن مثل هذه الأعمال "لا يمكن تشريعها في أي شكل، وهي غير مقبولة إطلاقاً".

وقال وزير الخارجية الدنماركي بير سيتغ مولر إن إحراق متظاهرين مبنى يضم سفارة بلاده "مرفوض تماماً"، معتبراً في بيان أن "سورية لم تقم بواجبها".

إلى ذلك، كشف المبعوث الدنماركي إلى سورية أولي ايغبرغ ميكلسن أنه حاول تحذير السلطات السورية من الاحتجاجات. وقال ميكلسن لوكالة (ريتزاو) للأنباء: "أبلغت السلطات شخصياً بأن تظاهرة كبيرة تدبر، وطلبت منها مرات خلال الصباح توفير الحماية اللازمة للسفارة والمعهد الدنماركي في دمشق". وأضاف أن هناك بين 70 و80 دنماركياً في سورية، مشيراً إلى أن بعضهم غادرها.
 
وكانت الحكومتان الدنماركية والنرويجية دعتا رعاياهما إلى مغادرة سورية، في حين ستجلي النرويج ديبلوماسييها الأربعة.

وفي السياق ذاته، صرح وزير الخارجية النرويجي يوناس غار ستور: "اتصلت بنظيري السوري (فاروق الشرع) وأبلغته بأن ما حصل مرفوض بالكامل، فالسلطات السورية مسؤولة عن أمن السفارة والعاملين فيها". وزاد أن الشرع "نأى بنفسه" عن هذا الهجوم "وقدم اعتذاره".

وأكد "أنه وضع خطير للغاية عندما تتعرض سفارة لهجوم"، كاشفاً أنها "المرة الأولى، بحسب علمي، التي تهاجم فيها سفارة نرويجية". وأضاف أن هناك حوالي 70 نرويجياً في سورية، مشيراً إلى أن السلطات السورية والاتحاد الأوروبي والرئاسة النمسوية للاتحاد والدنمارك عرضت مساعدتها في عملية لإجلاء.

جاء ذلك في وقت ألقت الولايات المتحدة باللوم على سورية في عدم حماية سفارتي الدنمارك والنرويج. وأعلن الناطق باسم البيت الأبيض سكوت مكليلان أن واشنطن "تدين بأقوى العبارات إحراق سفارتي الدنمارك والنرويج، وهو ما ألحق أيضاً أضراراً بسفارتي تشيلي والسويد".

وتابع في بيان من تكساس حيث يقيم بوش في مزرعته بكروفورد أن "إخفاق الحكومة السورية في توفير الحماية للمباني الديبلوماسية على رغم تحذيرات من التخطيط لأعمال عنف أمر لا يمكن تبريره". وقال إن وزارة الخارجية الأميركية أبلغت السفير السوري بأن على سورية حماية جميع السفارات والمواطنين الجانب في دمشق من الاعتداءات. وأضاف: "نحمل سورية المسؤولية عن مثل هذه التظاهرات العنيفة لأنها لا تحدث في هذا البلد من دون لم الحكومة وتأييدها".

وفي باريس، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية أنها (ذكّرت) الفرنسيين المقيمين في سورية (بالتزام الحذر) بعد تظاهرات عنيفة شهدتها العاصمة السورية أول من ، مضيفة أنها لم تتخذ (أي إجراءات خاصة). وصرح ناطق باسم الوزارة بأن "تعليمات الحذر مستمرة، لكن تم التذكير بها في دمشق"، موضحاً أن المواطنين الفرنسيين في سورية نصحوا بملازمة منازلهم. لكن الناطق اضاف: "بخلاف الدنماركيين والنرويجيين الذين اتخذوا تدابير جذرية، لم نتخذ أي إجراء خاص".

أما إيران فقد استدعت سفيرها في الدنمارك، في وقت طالبت القاهرة كوبنهاغن بموقف (صارم) في حق ناشري الرسوم.

تزامن ذلك مع تهديد كبرى فصائل المسلحين العراقيين بقتل الجنود الدنماركيين المنتشرين في العراق، وضرب مصالح الدول الأوروبية التي أعادت صحف فيها نشرالرسوم، فيحين جمدت وزارة النقل العراقية تنفيذ عقود موقعة مع الدنمارك والنرويج، وأغلق مسلحون فلسطينيون مركزاً ثقافياً فرنسياً في مدينة نابلس وخربوا مدخلة، واعتدوا على أحد حراسه.

وفي القاهرة، أعلنت ناطقة باسم الخارجية المصرية أن وزير الخارجية أحمد أبو الغيط شدد خلال اتصال هاتفي مع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان على ضرورة تبني الدنمارك موقفاً صارماً في حق صحف نشرت تلك الرسوم.

وحذرت وزارة الثقافة الايرانية من أنها قد تحظر نشاطات مراسلي صحف نشرت الرسوم في إيران. وأوضح مدير وسائل الأعلام الأجنبية في الوزارة محمد حسين خوشفاغت: "ما لم تعتذر صحف نشرت الرسوم للمسلمين، فستحظر نشاطات مراسليهم في إيران". وكانت طهران أعلنت أنها شكلت لجنة لمراجعة العقود التجارية المبرمة مع دول أوروبية نشرت صحف فيها الرسوم.

وفي الأردن، مثل صحافيان أردنيان نشرا الرسوم في صحيفتهما أمام محكمة الصلح إثر قرار المدعي العام في عمان توجيه تهمة (إهانة الشعور الديني) إليهما قبل الأفراج عنهما، بحسب مصدر قضائي. وقال المصدر: "أحيل رئيس تحرير أسبوعية شيحان سابقا والعضو السابق في المجلس الأعيان جهاد المومني ورئيس تحرير صحيفة المحور هاشم الخالدي الى محكمة الصلح المختصة اثر نشرهما صوراً مسيئة الى الرسول(ص)".

وفي أفغانستان، تظاهر أكثر من ألف شخص مطالبين بمحاكمة المسؤولين عن نشر الرسوم. وقال حاكم اقليم لغمان شاه محمود صافي إن المتظاهرين ساروا في شوارع مدينة مهترام عاصمة الاقليم الواقع في شرق البلاد، ودعوا أيضاً الى منع مطبوعات نشرت هذه الرسوم. وكان الرئيس الأفغاني حميد كرزاي دان نشر الرسوم الأسبوع الماضي، لكنه دعا الأفغان أيضاً الى أن يملكوا الشجاعة الكافية للمسامحة. ودانت حركة (طالبان) نشر الرسوم أيضاً، مطالبة باجراءات أقوى في حق الدول التي نُشرت فيها، وقال الناطق باسمها محمد حنيف في اتصال مع وكالة (رويترز) إن "صمت العالم المسلم شجع صحفاً أوروبية أخرى على إعادة نشر هذه الرسوم المهينة".

وفي غضون ذلك، هدد (الجيش الاسلامي في العراق) في بيان نشر على الانترنت بضرب مصالح دول أوروبية نشرت صحف فيها الرسوم، مسمياً كلاً من الدنمارك والنرويج وفرنسا وهولندا واسبانيا. ودعا (جميع المجاهدين) الى اعتقال الدنماركيين وقتلهم، واستهداف أي مؤسسة تتعامل مع الدول المشار اليها ومنتجاتها وخصوصاً الدنمارك والنرويج.

كما وزعت جماعة (الجناح العسكري لجيش الحق) غير المعروفة منشورات خلال تظاهرة في الرمادي مؤكدة أنها ستهاجم الأهداف الدنماركية وغير المسلمة في العراق. ودعت الجماعة في منشورات وزعت على حوالى ألف متظاهر جميع المقاتلين في المقاومة الى تفعيل نشاطاتهم العسكرية، مطالبة بأن تكون القوات الدنماركية الهدف الأول للهجمات المقبلة. ودعت الجماعة جميع الاشخاص الذين ينتمون الى ديانات أخرى غير الاسلام، الى وقف طقوسهم الدينية في كنائس وأماكن العبادة الاخرى (نتيجة ما ارتكبوه من إساءة الى الاسلام والمسلمين).

وفي العمارة، تظاهر حوالي ألف من أنصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر مطالبين بإغلاق سفارتي الدنمارك والنرويج في العراق.

وفي نيوزلندا، تظاهر أكثر من 700 مسلم في أوكلاند ثاني أكبر مدينة في البلاد، أحتجاجاً على إعادة نشر الرسوم في صحيفتين محليتين.

في مصر دان البابا شنودة الثالث ورؤساء مجلس كنائس الشرق الوسط، نشر صحف دنماركية وأوروبية رسوماً مسيئة إلى النبي محمد(ص)، واصفاً هذا السلوك بأنه اعتداء صارخ على معتقدات المسلمين وانتهاك واستفزاز لمشاعرهم الدينية. كما دانوا "الاعتداءات الآثمة والمتعاظمة التي مازالت تستهدف الكنائس في العراق"، واعتبروها "محاولات شريرة لبث الفرقة بين المسلمين والمسيحيين من أبناء الشعب العراقي الذين تربطهم الوطنية والتاريخ، الواحد، والسعي إلى التحرر من الاحتلال الأجنبي".

وأكد بيانان لـ (مجلس كنائس الشرق الأوسط) الذي يرأسه البابا وعدد من رؤساء الطوائف المسيحية، وقعهما الأمين العام للمجلس جرجس صالح و (المنتدى الإسلامي العالمي للحوار) برئاسة الشيخ حامد الرفاعي، أن نشر الرسوم "انتهاكات حمقاء وممارسات شاذة تشكل مصدراً شريراً لتغذية الإرهاب العالمي، وبوقاً ناعقاً لتأصيل الصراع بين أتباع الديانات والثقافات والحضارات، ودعوة منكرة إلى غرس العداوة والبغضاء بين الناس، ما يتعارض مع السماحة المطلوبة بين أتباع الديانات بحسب الكتب السماوية".

ودعا البيان الحكومة الدنماركية إلى "مساءلة الجهات التي أثارت هذه الفتنة الطائفية الهوجاء ومحاسبتها والتعهد بعدم العودة إلى تلك الممارسات"، في حين طالب البابا شنودة ورؤساء مجلس الكنائس بـ "وأد الفتنة وقطع الطريق على محاولات الأيادي الشريرة ضرب الحياة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين"، مؤكداً تضامنه مع كنائس العراق، داعياً إلى أن "يتغمد الله الضحايا بغزير رحمته". وفي السياق ذاته، شهدت محافظة بورسعيد تظاهرات بدعوة من نقابة المحامين احتجاجاً على نشر الرسوم. وندد المتظاهرون بنشر الرسوم، وأحرقوا أعلام الدنمارك والنرويج وفرنسا.

وفي بريطانيا أعلنت الشرطة فتح تحقيق حول سلوك بعض المتظاهرين في لندن احتجاجاً على نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة إلى النبي محمد(ص)، إذ كان بعض المحتجين هدد بشن هجمات في الغرب، في حين ارتدى آخرون (ملابس انتحاريين). وكشفت شرطة لندن أنها قد تنفذ اعتقالات هذا الأسبوع بعد إجرائها تحقيقات حول سلوك بعض المتظاهرين الجمعة الماضي، وخصوصاً مطالبتهم (بذبح) المسيئين إلى الإسلام، بحسب صحف بريطانية. وكان أكثر من 700 مسلم تظاهروا لليوم الثاني على التوالي خارج مبنى السفارة الدنماركية في وسط لندن، حمل بعضهم لافتات تمجد بتفجيرات العاصمة البريطانية في السابع من تموز الماضي، التي قُتل فيها 52 شخصاً وجُرح مئات آخرون. وجاء إعلان الشرطة بعد مطالبة (حزب المحافظين) المعارض بعتقال متشددين إسلاميين أطلقوا تهديدات ضد الغرب خلال التظاهرات الغاضبة في لندن. وأعلن وزير الخارجية في حكومة الظل ديفيد ديفيس أن على الشرطةاتخاذ إجراءات ضد التحريض على القتل. وكانت شرطة سكوتلانديارد دافعت عن قرارها عدم اعتقال متظاهرين بتجنب وقوع أعمال تهدد الأمن والنظام العام، لكنها أكدت تلقيها أكثر من مئة شكوى ضد تصرفات المتظاهرين يومي الجمعة والسبت الماضيين.

6 ـ 2 ـ 2006

فيما تواصلت تظاهرات الاحتجاج على الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد(ص) من آسيا إلى افريقيا. دعا الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان المسلمين الغاضبين إلى (الصفح) والامتناع عن أي أعمال عنف.

وقال أنان، خلال تسلمه في دبي جائزة الشيخ زايد للبيئة: "أدعو المسلمين إلى التصرف بهدوء وإلى الصفح عن السوء الذي تالموا من جرائه والسعي إلى السلام وليس إلى الصراعات". وكرر دعوته المسلمين إلى "قبول الاعتذارات التي أعلنتها" الصحيفة الدنماركية.

ودعا أنان جميع من يملكون سلطة وتأثيراً على مختلف المجتمعات إلى "إطلاق الحوارات وبناء شراكة فعلية بين الحضارات على أساس الاحترام المتبادل". مؤكداً أن الأمم المتحدة تحاول استيعاب الأزمة.

وفي أفغانستان، قتل مواطنان وجرح خمسة آخرون بالرصاص خلال تجمع متظاهرين أمام المدخل الرئيسي للمقر العام للقاعدة الجوية التابعة لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في باغرام. وقتل شخص ثالث خلال تظاهرة أخرى في مهترلام عاصمة ولاية لقمان (شرق) أطلقت خلالها الشرطة النار.

وفي الصومال، قتل مواطن في مدينة بوساسو الساحلية خلال مواجهات بين قوات الأمن ومتظاهرين نددوا بنشر رسوم كاريكاتورية عن النبي محمد(ص).

وفي القاهرة، نظم أكثر من خمسة آلاف من طلاب جامعة الأزهر تظاهرة تقدمها شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي ورددوا هتافات تؤكد أن الحرية لا تعني (الإساءة) للنبي محمد.

وفي أندونيسيا، أطلقت الشرطة النار في الجو أمام القنصلية الأميركية في مدينة سورابايا لتفريق المتظاهرين الذين ألحقوا أضراراً محدودة بالمبنى الذي يضم السفارة الدنماركية في المدينة.

وفي إيران، تمكنت مجموعة صغيرة من المتظاهرين من دخول حرم السفارة الدنماركية فيما أطلقت الشرطة القنابل المسيلة للدموع لمنع اقتحام المجمع على نطاق أوسع.

ويأتي الهجوم على السفارة فيما قام حوالي 400 عنصر من ميليشيا الباسيج الإسلامية بإلقاء قنابل حارقة على السفارة كما رشقوها بالحجارة.

وتدخل حوالي مئة عنصر من الشرطة بسرعة وتصدوا للمتظاهرين وتمكنوا من طرد المجموعة الصغيرة التي دخلت الحرم. وكان وزير التجارة الإيراني مسعود مير ـ كاظمي أعلن تعليق كل المبادلات التجارية بين الجمهورية الإسلامية والدنمارك.

وفي العراق تظاهر نحو ألف كردي في مدينة السليمانية وهم يرفعون لافتات (تدين وتستنكر) ما نشرته الصحف الدنماركية والنرويجية.
كما تظاهر نحو ألفين من أتباع الزعيم السيد مقتدى الصدر في وسط مدينة الكوت مطالبين المرجعية الدينية بإصدار فتاوى تهدر دم الدنماركي الذي رسم الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد(ص).

وصدرت ردود فعل أوروبية غربية استنكاراً لأعمال العنف ضد الدنمارك وسفارات غربية ولا سيما في سورية ولبنان.

ففي باريس، ندد الرئيس الفرنسي جاك شيراك بأعمال العنف ضد الدنمارك في العالم الإسلامي خلال مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الدنماركي اندرس فوغ راسموسن.

وفي لندن، أعلن المتحدث باسم رئيس الوزراء طوني بلير أن (لا شيء يبرر العنف ضد السفارات الأوروبية أو ضد الدنمارك. إننا نقف مع شركائنا الأوروبيين أننا متضامنون تماماً معهم للتصدي لهذا العنف. نعتقد أن الحكومة الدنماركية قامت بكل ما في وسعها بصورة منطقية لمعالجة وضع شديد الصعوبة.

وحذر وزير الخارجية الإسباني ميغيل انخيل موراتينوس من وجود "جهات ومحاورين يريدون إحداث حرب حضارات وجرنا إليها وعلينا ألا نقع في الفخ باعطائهم حججاً ودعا الغربيين في تصريحات لإذاعة (كادينا سير) الأسبانية الخاصة إلى العمل من أجل خفض التوتر (...) وعلى الأخص في هذا الظرف البالغ التعقيد في العلاقات بين العالمين الغربي والإسلامي".

وانتقد رئيس الوزراء الإسباني خوسيه لويس ثاباتيرو ونظيره التركي رجب طيب اردوغان نشر الرسوم على الصعيدين (الأخلاقي والسياسي) ودعيا إلى (الاحترام والهدوء) في رسالة مفتوحة نشرتها صحف أوروبية عدة .

وفي برلين أعلن و زير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير "نريد المساهمة من خلال استخدام اتصالاتنا أزاء أعمال العنف" التي تعرضت لها بعض السفارات والقنصليات الدنماركية في الدول العربية ودعت إلى (ضبط النفس).

ودعت الجامعة إلى "تغليب لغة الحوار على العنف مع ضرورة التوقف عن الإساءة إلى الإسلام والاستخفاف بأهله".

وتتجه صحيفة (ييلاندس بوستن) الدنماركية التي كانت أول من نشر الرسوم والمنظمات الإسلامية في الدنمارك إلى صوغ إعلان مشترك، وفق ما أفادت وكالة الإنباء الدنماركية (ريتزو).

وجاءت المبادرة من الناطق باسم 27 منظمة إسلامية في الدنمارك أحمد عكاري، وتجاوب معها رئيس تحرير (ييلاندس بوستن) كارستن يوست.

ونقلت (ريتزو) عن يوست أن "عكاري هو ثالث متحدث مسلم سألتقيه، وأشدد على أننا منفتحون جداً لمناقشة الأمور وإقامة حوار". وأبدى يوست موافقته على أن يتضمن الإعلان اعتذار الصحيفة عن إهانة المسلمين وليس عن نشر الرسوم من جهة، وتأكيد المسلمين أنهم يقرون بحرية التعبير في الدنمارك من جهة أخرى.

7 ـ 2 ـ 2000

في أفغانستان قتل أربعة أشخاص وجرح 18 آخرون خلال تظاهرة احتجاجاً على نشر صحف دنماركية وأوروبية 12 رسماً مسيئاً إلى النبي محمد(ص)، ما يرفع حصيلة ضحايا التظاهرات في العالم الإسلامي إلى تسعة.

جاء ذلك فيما تواصلت الاحتجاجات العنيفة في الأراضي الفلسطينية حيث أطلق مسلحون النار على صورتين إحداهما لرئيس الوزراء الدنماركي أندرس راسموسن والأخرى لرسام الكاريكاتور الدنماركي، في رفع، كما أحرق المسلحون الذين ينتمون إلى كتائب (الياسر) التابعة لحركة (فتح)، الصورتين وعلماً دنماركياً.

وفي أفغانستان، أطلقت الشرطة النار على حشد غاضب حاول اقتحام قاعدة لقوات حفظ السلام التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) تضم قوة نرويجية، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وجرح 18 آخرين. وأرسلت قوة بريطانية خاصة الى مدينة ميمنة شمال غربي البلاد لتأمين مكان لهبوط الطائرات بعدما هاجم متظاهرون قاعدة الناتو بالاسلحة النارية والقنابل. وألقى شبان حجارة وقنابل يدوية وحارقة على معسكر تديره قوة نرويجية في ميمنة، ما أدى الى اصابة خمسة نروجيين بجروح طفيفه، في حين قال حاكم اقليم بقلان إن هولنداً من أفراد قوات حفظ السلام أصيب بحجر أثناء تظاهرة في بغلان شمال البلاد.

وفي دمشق، رفض وزير الشؤون الدينية السوري زياد الدين الأيوبي الانتقادات السلبية التي وجهتها الدنمارك إلى السلطات السورية في أعقاب حرق سفارتها السبت الماضي. وأوضح الأيوبي في حديث الى شبكة (تي في 2) التلفزيونية الدنماركية أن "هذا ليس معقولاً. ورأيت بأم العين كيف حاولت القوى الأمنية تفريق المتظاهرين. وشاهدت كيف تعرض عناصر من قوى الأمن للضرب، وجرح أخرون لدى محاولتهم عبثاً أن يحموا بأجسادهم ودمائهم السفارة ووقف المتظاهرين".

وفي صنعاء، أعلنت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) أن النيابة العامة أمرت باعتقال ناشر ورئيس تحرير صحيفة الحرية عبد الكريم صبره "لتقديمه إلى المحاكمة بسبب إقدام صحيفة على إعادة نشر الرسوم المسيئة لخاتم الانبياء والمرسلين (...) التي نشرتها أحدى الصحف الدنماركية". كما جمد مجلس نقابة الصحفيين اليمنيين عضوية صبره "لتعمده الخروج عن ضوابط اخلاقيات المهنة".

وفي سامراء، تظاهر مئات العراقيين الغاضبين وسط المدينة احتجاجاً على نشر الرسوم. ودعا عضو المجلس العشائري في المدينة الشيخ جاسم ممتاز في كلمة أمام المتظاهرين "الأخوة في الجنوب العراق الى طرد القوات الدنماركية لأن دولتهم أساءت للإسلام"، لافتاً الى أنهم "اقترفوا جرماً لا ينتهي إلا بنهر من الدماء إن لم يعترفوا بذنبهم".

وفي الأردن، طالبت غالبية نواب البرلمان الحكومة بإعادة النظر في الاتفاقات الاقتصادية والتجارية الموقعة مع دول نُشرت فيها الرسوم، وبأن تعمل فوراً ودعا أكثر من ثلاثة آلاف عضو في النقابات المهنية الأردنية الجامعة العربية الى عدم المساهمة في إجهاض التحرك الشعبي العربي والإسلامي المدافع عن إهانة الرسول الكريم(ص).

وفي بيشاور، تظاهر آلاف الباكستانيين تلبية لدعوة من برلمان ولاية الحدود الشمالية الغربية المجاورة لأفغانستان احتجاجاً على نشر صحيفة دنماركية رسوماً مسيئة الى النبي محمد(ص). وهتف حوالي ألفي متظاهر شاركوا بدعوة من برلمان الولاية الذي يسيطر عليه الإسلاميون: "الرسامون الى المشنقة".

وفي كراتشي، أقفلت المحلات التجارية أبوابها، احتجاجاً على نشر الرسوم، في حين أعلنت نقابة المحامين التوقف عن العمل للسبب ذاته.

وفي اندونيسيا، شهدت مدن تظاهرات جديدة احتجاجاً على نشر الرسوم، أحرق العلم الدنماركي خلالها في ساحات عامة. وتجمع حوالي 50 شخصاً أمام سفارة الدنمارك في جاكارتا غداة تجمع في الموقع ذاته لاعضاء في حزب إسلامي. وأطلقت دعوات لمقاطعة المنتجات الدنماركية، وأحرقت أعلام دنماركية، في ساحات عامة في ماكاسار (جزيرة سولاويسي) وبندا اتشيه (شمال سومطرة).

إلى ذلك، نصحت وزارة الخارجية الدنماركية رعاياها بعدم التوجه الى إندونيسيا، داعية الدنماركيين الى مغادرتها لأسباب أمنية بعد تظاهرات احتجاج على نشر الرسوم. وأفادت الوزارة أنها (تلقت معلومات تتمتع بالصدقية تتحدث عن وجود خطر أمني متزايد على المصالح الدنماركية) في إندونيسيا.

وفي غضون ذلك، دانت موسكو في شدة الاعتداءات على البعثات الديبلوماسية الغربية في عدد من الدول الاسلامية، واعتبرت أنها تشكل "تصعيداً لا يمكن تبريره تحت أي مسمى"، فيما اتسعت مظاهر الاحتجاج في الاتحاد السوفياتي السابق على نشر الرسوم. وشملت الاحتجاجات جميع المناطق ذات الغالبية المسلمة، وجاء أبرزها في الشيشان حيث أعلنت الحكومة وقف نشاط المنظمات الانسانية الدنماركية العاملة على أراضيها

وفي أفريقيا، تجمع عشرات ألاف المسلمين في نيامي عاصمة النيجر احتجاجاً على نشر الرسوم.

وفي بروكسل، ورداً على إعلان طهران نيتها الغاء عقود تجارية مع دول نشرت صحف فيها الرسوم، أعتبر الناطق باسم الاتحاد الأوروبي يوهانز ليتنبرغر أن (مقاطعة البضائع الدنماركية هي بالتعريف مقاطعة بضائع أوروبية)، لافتاً الى أن مقاطعة "تؤذي المصالح الاقتصادية لجميع الأطراف ومن بينهم المُقاطعون أنفسهم.. ويمكن أن تلحق أضراراً بالروابط التجارية المتنامية بين الاتحاد الأوروبي والدول المعنية".

في المقابل، شدد الناطق باسم الخارجية الإيرانية حميد رضا آصفي على ضرورة احترام البعثات الديبلوماسية، في حين نظم عشرات الإيرانيين تظاهرة سلمية أمام السفارة الدنماركية في طهران، بعدما شهد اليومان الماضيان تظاهرات عنيفة رُشقت خلالها سفارتا الدنمارك والنمسا بالحجارة والزجاجات الحارقة.

بدوره شجب المرشد الإعلى للثورة الإسلامية آية الله السيد علي خامنئي نشر رسوم كاريكاتورية للنبي محمد(ص) في الصحافة الأوروبية واعتبر ذلك (مؤامرة صهيونية).

وقال آية الله خامنئي في خطاب أمام عسكريين بثه التلفزيون: "أنها مؤامرة مخطط لها من قبل الصهاينة لإثارة مواجهة بين المسلمين والمسيحيين".

وأضاف أن "سبب هذا العمل الصهيوني يفسر بالهزيمة التي الحقتها بهم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عبر فوزها في الانتخابات" الفلسطينية التي جرت في 25 كانون الثاني.

8 ـ 2 ـ 2006

غداة أكثر من أسبوع على تفجر أزمة نشر صحيفة دنماركية رسوماً مسيئة إلى النبي محمد(ص) وبروز ردود فعل عنيفة في أكثر من بلد مسلم، يبدأ الاتحاد الأوروبي تحركاً ديبلوماسياً في اتجاه البلدان الإسلامية، في محاولة لاحتواء التوتر.

وأوضح مصدر ديبلوماسي أوروبي أن الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا سيبدأ مطلع الأسبوع المقبل زيارة إلى السعودية والأردن وفلسطين ومصر للتشاور مع قيادات هذه الدول وكل من الأمين العام لـ (منظمة المؤتمر الإسلامي) إحسان أوغلو والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، للنظر في الوسائل الكفيلة بردم الهوة المتسعة بين أوروبا والعالم الإسلامي غداة إعادة نشر الرسوم في صحف أوروبية، واستهداف سفارات وممثليات الدنمارك والنرويج في دمشق وطهران وبيروت وغزة.

وفي أول موقف دولي ـ إسلامي متشرك، أعربت الأمم المتحدة والاتحاد الوروبي ومنظمة المؤتمر الإسلامي في بيان عن "القلق الشديد من تداعيات نشر الرسوم المسيئة إلى النبي في الدنمارك قبل شهور وإعادة نشرها في عدد من الصحف الأوروبية، وما أثارته من أعمال عنف".

وذكر البيان الذي وقعه سولانا وأوغلو والأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان أن "غضب العالم الإسلامي إزاء نشر الرسوم المسيئة يشاطره إياه (الغضب) جميع الأفراد والطوائف الذين يعترفون بحساسية عمق الإيمان الديني". وأكد الحاجة إلى "التحلي بروح المسؤولية عند معالجة المسائل ذات الأهمية الخاصة بالنسبة إلى المؤمنين".

وقال مصدر ديبلوماسي إن مفاوضات البيان المشترك طالت للبحث عن صيغة توفق بين "تفهم الجانب الأوروبي لغضب الرأي العام الإسلامي ومقتضيات مبادئ حرية الصحافة وشجب أعمال العنف". واعتبر البيان أن "أعمال العنف تجاوز الاحتجاج السلمي"، قبل أن يدين "الاعتداءات المؤسفة التي استهدفت البعثات الديبلوماسية في دمشق وبيروت وفي الخارج"، لافتاً إلى أن "الاعتداء على الأشخاص والممتلكات لا يؤدي سوى إلى الإساءة للدين الإسلامي الحنيف".

واعتبرت مصادر سياسية أن "تحرك الديبلوماسية الأوروبية يأتي بعد استفحال الأزمة واتساع الهوة ونسف الثقة بين الأوروبيين والمسلمين داخل الاتحاد من ناحية وبين الأخير وجيرانه في الجنوب من ناحية أخرى". وتابعت أن "تأخر التحرك الديبلوماسي الأوروبي مكن المتشددين في العالم الإسلامي من خطف أزمة الرسوم المسيئة بغرض المزايدات السياسية في أكثر من بلد، وخصوصاً في كل من سورية ولبنان وإيران". وأفادت أوساط سياسية أوروبية أن "رفض رئيس الوزراء الدنماركي الاعتذار وتلكؤ المفوضية الأوروبية في إدانة الرسوم، وخصوصاً تحفظها عن أي مبادرة تهدئة، جعلت حكومات البلدان الإسلامية في وضع صعب أمام الرأي العام المحلي"، لافتة إلى أن الأزمة كشفت أن آليات الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية "تفتقد الجدوى وينقصها آلية التحرك الديبلوماسي العاجل لإدارة الأزمات".

وفي برلين، اعتبرت الحكومة الألمانية أن دعوة صحيفة إيرانية إلى نشر رسوم تسخر من المحارق النازية هي محاولة لإقحام إسرائيل في نزاع بين أوروبا والعالم الإسلامي حول الرسوم. ونقلت صحيفة (برلاينر تسايتونغ) عن غرنوت إيرلر نائب وزير الخارجية الألماني قوله: "بعد إنكار حق إسرائيل في الوجود وإنكار المحارق، يحاول المحيطون بالرئيس (الإيراني محمود) أحمدي نجاد تصعيد الموقف"، معرباً عن "قلق عميق من أن تستغل دولة صراع الحضارات كأداة لبسط هيمنتها". وبطلب من حزب الخضر، قرر البرلمان الاتحادي عقد جلسة خاصة غداً الجمعة للبحث في الخلاف القائم على نشر الرسوم وانعكاساته على الحوار بين أوروبا والدول الإسلامية. وكانت صحيفة (همشهري) الإيرانية أطلقت مسابقة لأفضل رسم كاريكاتوري عن المحارق النازية، رداً على نشر صحف في الدنمارك وأوروبا رسوماً مسيئة إلى النبي محمد(ص).

وفي حديث نشرته الصحافة الإسبانية، أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن (إدانته) الرسوم، معتبراً أنها (تعمق الشرخ بين الإديان)، داعياً الدنمارك إلى (طلب الصفح). ودان الرئيس الروسي الذي بدأ زيارة إلى اسبانيا تستمر يومين "الرسوم الكاريكاتورية التي تعمق الشرخ بين الإديان وتستفز مشاعر المؤمنين وتهينها". وأضاف: "حين ندين الاعتداء الجنسي على الأطفال، لا نختبئ وراء حرية التعبير، مشيراً إلى وجوب التفكير مئة مرة قبل نشر شيء أو رسمه، وإذا كانت دولة غير قادرة على منع منشورات مماثلة فعليها على الأقل أن تطلب الصفح".

أما الرئيس الأميركي جورج بوش فقد أكد لرئيس الوزراء الدنماركي أندرس فوغ راسموسن عن "دعمه وتضامنه" بعد أعمال العنف التي أثارها نشر رسوم كاريكاتورية تسيء للنبي محمد(ص).

وقال الناطق باسم الرئاسة الأميركية سكوت ماكليلان أن بوش وراسموسن "اتفقا على أن طريق التقدم هو الحوار والتسامح وليس العنف". وأكد أن "الرئيس عبر عن تأييده للدنمارك وتضامنه معها بعد العنف ضد الدنماركيين وغيرهم".

وتابع أن بوش وراسموسن شددا على أهمية التسامح واحترام الديانات وكل المعتقدات وحرية الصحافة، موضحاً أن الرئيس الأميركي عبر عن ارتياحه "للتصريحات المسؤولة التي دعا فيها إلى التسامح والاحترام".

من جهته، قال نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في مقابلة مع شبكة التلفزيون الأميركية (بي بي اس) أن "من الضروري احترام كل طرف لدين الاخر، لكنني لا اعتقد أن نشر هذه الرسوم الكاريكاتورية يبررالعنف الذي رأيناه". وأضاف "أعتقد أن هناك مبالغة"، مؤكداً "نحن نؤمن بقوة بحرية التعبير".

وتوخت الولايات المتحدة الحذر في ردها على الرسوم الكاريكاتورية ودانت العنف الذي آثارته وأكدت تمسكها بقيم الديموقراطية وحرية الصحافة فيما دعت إلى التسامح واحترام الأديان.

وكان الولايات المتحدة انتقدت المسابقة التي تريد إيران تنظيمها للرسوم الكاريكاتورية عن محرقة اليهود رداً على نشر الرسوم المسيئة للإسلام، معتبرة أنها (مشينة). ورأي الناطق باسم وزارة الخارجية الإميركية شون ماكورماك أن هذه المبادرة التي اتخذتها الصحيفة الأوسع انتشاراً في إيران تشكل امتداداً لخطاب الرئيس محمود احمدي نجاد المعادي لإسرائيل. وقال أن "أي محاولة للتهكم أو لنفي فظاعة محرقة اليهود مشينة".

وشدد ماكورماك على دعم الولايات المتحدة لحرية التعبير في العالم بما في ذلك ايران، لكنه رأى أن لا مجال للمقارنة بين صحيفة (همشهري) التي تنظما لمسابقة والصحيفة الدنماركية التي نشرت الرسوم الكاريكاتورية.

وقال: "لا أعتقد أن أي شخص في العالم يمكن أن يقارن بين حرية الصحافة في إيران وحرية الصحافة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة". وأكد أن إعلان (همشهري) عن هذه المسابقة ليس صدفة. وقال: "أعتقد أننا نسمع صوت الرئيس أحمدي نجاد في اقتراح هذه الصحيفة".

من جهة ثانية، عبر مسلمون أميركيون عن استيائهم لوجود منحوتة للنبي محمد(ص) على افريز المحكمة العليا الأميركية في واشنطن. وقال إبراهيم خوبر، الناطق باسم مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير)، أن المسلمين "قلقون لعرض رسوم ومنحوتات للنبي محمد(ص) في كتب أو رسومات أو حتى في باحة المحكمة العليا".

وأشار هوبر إلى افريز من الرخام موجود في باحة المحكمة العليا منذ 1935 ويمثل 18 من حكماء البشرية بينهم النبي محمد(ص) في النحت المخصص له يحمل المصحف بيد وسيفاً بيد.

وقال هوبر أن منظمته طلبت مراراً سحب القطعة التي تجسد النبي محمد(ص)، لكن المحكمة رفضت طلبه لأن ذلك سيؤثر على بنية الافريز بأكملها. وأوضح المتحدث أن منظمته عارضت باستمرار وجود هذه المنحوتة لأسباب (دينية) لكنها لا تعتزم "فرض وجهة نظرها على الآخرين". وأضاف أنه من (واجب) المسلمين في الوقت نفسه التعبير عن قلقهم في هذا الشأن.

في صنعاء قال وكيل وزارة الإعلام اليمنية محمد شاهر أن الوزارة قررت وقف صحيفتين أسبوعيتين يمنيتين عن الصدور وإحالة رئيسي تحريرهما إلى النيابة العام للتحقيق بعد أن قامتا بنشر الرسوم المسيئة للنبي محمد(ص).

وأوضح شاهر أن "وزارة الإعلام قررت وفقاً لقانون الصحافة والمطبوعات وقف صدور صحيفتي (يمن اوبزرفر) و (الرأي العام) وإحالة الناشرين ورئيسي التحرير إلى النيابة العامة للتحقيق معهما في نشر هاتين الصحيفتين الرسوم الكاريكاتورية". وأضاف أن "وزارة الإعلام ترفض أن تسيء أي صحيفة يمنية إلى الرسول الأعظم(ص) أو تمس بالعقيدة وهذه إجراءات تم اتخاذها وفقاً للقانون وعلى اعتبار أن جميع الصحف متساوية أمام القانون".

ورئيس تحرير وناشر (يمن اوبزرفر) هو فارس السنباني الذي يعمل في المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية بينما رئيس تحرير وناشر (الرأي العام) هو كمال العلوفي الذي ورث الصحيفة عن والده علي العلوفي، مؤسسها في منتصف سبعينات القرن الماضي. والصحيفتان خاصتان وتنتهجان خطاً ليبرالياً مستقلاً. وكانت (يمن اوبزرفر) التي تصدر باللغة الإنكليزية نشرت الرسوم في حين نشرتها (الرأي العام).

وبذلك يرتفع إلى ثلاث عدد الصحف التي أوقفت عن الصدور في اليمن عقب نشر الرسوم الكاريكاتورية.

وكانت النيابة العامة اليمنية أمرت بتوقيف ناشر ورئيس تحرير صحيفة (الحرية) بعد نشرها الرسوم. ونقلت وكالة الأنباء اليمنية عن مصدر في وزارةالإعلام أن الوزارة "أصدرت الإثنين قراراً بإلغاء ترخيص الصحيفة وإحالة ناشرها ورئيس تحريرها أكرم صبره إلى نيابة الصحافة والمطبوعات لاتخاذ الإجراءات القانونية لإعادة نشرها الصور".

وفي دبي أصدر وزير التربية والتعليم الإماراتي ورئيس جامعة زايد الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان أمراً بفصل مدرسة أميركية للغة الإنكليزية لم يكشف أسمها تعمل في جامعة زايد في دبي (فرع الطالبات) بعد عرضها الرسوم المسيئة للنبي محمد(ص) على طلابها.

وقالت الصحف الإماراتية أن الوزير أمر بأنهاء خدمات المدرسة "لعرضها صور الرسوم الكرتونية المسيئة للرسول (...) على الطالبات داخل قاعة الدرس زاعمة أن تدريس هذا الأمر يأتي في إطار حرية الرأي والتعبير". وأضاف وزير التربية أن "حرية الرأي والتعبير مكفولة للجميع في الإمارات وكذلك الحرية الأكاديمية (...) ولكن ما ذهبت إليه أستاذة اللغة الإنكليزية في جامعة زايد لا يمت بصلة من قريب أو بعيد لأي من مفاهيم الحرية".

وأكد أن "ما صدر من هذه المدرسة يعتبر تصرفاً فردياً، وجامعة زايد وغيرها من المؤسسات الأكاديمية والتربوية (...) تؤدي رسالتها في إطار الإلتزام الكامل بتعاليم ديننا الحنيف الذي لا نقبل المساس به أو بأي من تعاليمه وقيمه النبيلة".

وكانت طالبات الجامعة تناقلن رسالة على الهواتف الخليوية تتحدث عن "قيام استاذة في جامعة زايد تدعى كلويدا كيبوز في الرابع من شباط بعرض الرسومات المشينة عن الرسول(ص) على طالباتها". وتضيف الرسالة أن الأستاذة "ادّعت أن هذه حرية تعبير واتهمت المسلمين بتحجر العقول وعدم تقبل الرأي الآخر وساندها في ذلك مشرف القسم ويدعى اندرو".

9 ـ 2 ـ 2006

تحولت المسيرات الدينية في ذكرى عاشوراء الى تظاهرات منددة بنشر رسوم كاريكاتورية مسيئة الى النبي محمد(ص). ترافق ذلك مع نقاشات حادة شهدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة حول تشكيل جهاز مدافع عن حقوق الإنسان، بعدما طالبت دول إسلامية بأن يتضمن ميثاقه نصاً يحظر الإساءة إلى الأديان بعد نشر الرسوم.

وقالت الناطقة باسم رئيس الجمعية إن الأخير يجري محادثات ثنائية (مكثفة) مع أعضاء بارزين في المنظمة الدولية للتغلب على انقسامات حادة في خصوص استحداث هذا المجلس الذي سيحل محل لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة.

وكان بارزاً في أزمة الرسوم، تهديد (حزب الله) بالدفاع "عن نبينا بالدم إذا استمرت الإهانات"، وإعلان حركة (طالبان) تجنيد مئة انتحاري.

وأوضح أحد أبرز القادة العسكريين في (طالبان) الملا داد الله أن الحركة عرضت جائزة قدرها مئة كيلو غرام من الذهب لأي شخص يقتل المسؤولين عن تلك الرسوم، مشيراً إلى أنها ستمنح كذلك خمسة كيلو غرامات من الذهب إلى أي شخص يقتل جندياً دنماركياً أو ألمانياً أو نروجياً.

وفي بيروت، أكد المرجع السيد محمد حسين فضل الله أن الرسوم لا علاقة لها بحرية التعبير، داعياً المسلمين على اختلاف مذاهبهم إلى التوحد في مواجهة الهجوم على نبيهم. كما طالب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بـ (اعتذارات) في قضية نشر الرسوم في الصحف أوروبية، داعياً إلى التصويت على (قوانين) أوروبية تمنع (الإهانات) وقال نصر الله أمام مئات الآلاف الذين تجمعوا في ضاحية بيروت الجنوبية لأحياء ذكرى عاشوراء: "لن يكون هناك أي تسوية قبل الاعتذار". وطالب "البرلمانات الأوروبية بأن تصوت على قوانين تمنع وسائل الإعلام من أن يهينوا نبينا وإلا سيعني ذلك أنهم يريدون الاستمرار في حملتهم". ثم هاجم رئيس الوزراء الدنماركي الذي "لم يعتذر وما زال يسوف في الجدال".

وحذر أيضاً من استمرار الحملات المناهضة للإسلام، وتابع: "نحن اليوم نحتج بالكلمة وبالتظاهر، ولكننا إذا استمرت (الإهانات) سندافع بدمنا عن كرمة نبينا". وقال: "على التظاهرات أن تستمر في كل مكان، فليسكت بوش ورايس ونقول لهما أننا لن نتسامح مع الذين أهانوا نبينا واعتدوا على كرامته".

وفي القاهرة، قرر الصيارفة المصريون مقاطعة العملتين الدنماركية والنرويجية احتجاجاً على نشر الرسوم، كما أفادت وكالة (أنباء الشرق الأوسط) المصرية. وذكرت الوكالة أن الشعبة العامة للصرافة في الأتحاد العام للغرف التجارية قررت وقف التعامل بالكورون الدنماركي والنرويجي وسحبهما عن الشاشات الضوئية في جميع شركات الصرافة.

وفي هذا الإطار، قال مسؤول في هيئة قناة السويس إن إدارتها طلبت من مرشديها والبحارة العاملين فيها التعامل مع السفن الدنماركية والنرويجية في شكل طبيعي باعتبار أن قناة السويس مرفق عالمي.

وأعلن الأديب المصري الحائز جائزة (نوبل) للآداب نجيب محفوظ (94 عاماً) دعمه مقاطعة المنتجات الدنماركية لأن "العالم لا يفهم إلا لغة القوة". وقال محفوظ لأسبوعية (الأهرام ويكلي) (حكومية) رداً على سؤال لمعرفة ما إذا كان يدعم المقاطعة، "بالتأكيد"، مضيفاً أن "الغرب قد يرى أخيراً وجهة نظر المسلمين ويفهم حاجتنا إلى حماية الرموز الدينية".

وفي دمشق، نفذ المحامون السوريون إضراباً رمزياً لساعة احتجاجاً على نشر الرسوم. وأفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن "المحامين توقفوا في جميع المحافظات عن المرافعات أمام المحاكم لمدة ساعة اعتباراً من الساعة العاشرة وحتى الساعة الحادية عشرة، احتجاجاً على الرسوم التي تسيء إلى الأسلام والرسول محمد(ص)".

وفي كشمير الهندية، تحولت مسيرة عاشوراء في عاصمة الإقليم سرينغار إلى تظاهرة احتجاج عنيفة على نشر الرسوم، أدت إلى اعتقال 25 شخصاً.

من ناحيته اعتبر الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا أن أزمة نشر صحف دنماركية وأوروبية رسوماً كاريكاتورية مسيئة إلى النبي محمد(ص) تتضاءل تدريجياً، مشدداً على أن "من المهم جداً أن لا تخرق الدول العربية القوانين و المعاهدات الدولية في خصوص احترام المقرات الديبلوماسية والناس".

وقال سولانا رداً على سؤال عما إذا كان يؤيد الأتهامات الأميركية لدمشق وطهران بالتحريض على التظاهر، أن بعض التظاهرات أظهر "عفوية مفرطة" ومشبوهة، لافتاً إلى أن صورة أوروبا تضررت مؤقتاً في العالم الإسلامي، كما حصل مع صورة الإسلام والعرب في القارة. ويبدأ سولانا الأسبوع المقبل زيارة إلى دول عربية للعمل على ردم الهوة في علاقاتها مع أوروبا إثر نشر الرسوم.

جاء ذلك في وقت اقترح مفوض العدل والأمن في الاتحاد الأوروبي فرانكو فراتيني على الإعلام الأوروبي درس وضع مجموعة (مبادئ عمل طوعية) لتجنب تكرار أزمة نشر الرسوم في أوروبا. وقال في حديث إلى صحيفة (دايلي تلغراف) البريطانية إن مثل هذا الميثاق التطوعي سيشجع وسائل الإعلام على (التعقل) عند التطرق إلى الأديان. وأكد وزير الخارجية الإيطالي السابق في بيان أصدره لتوضيح تصريحاته أنه لم يقترح فرض ميثاق عمل على الصحافة، لافتاً إلى أن المفوضية الأوروبية لا تملك أي خطط أو سلطات لوضع قوائم في هذا المجال وتابع أنه عرض تسهيل حوار بين المؤسسات الصحافية والزعماء الدينيين، مشيراً إلى أن "الصحافة ستبعث للعالم الإسلامي برسالة مفادها... نحن مدركون لعواقب ممارسة حق التعبير. يمكننا...بل نحن مستعدون لأن ننظم هذا الحق من تلقاء أنفسنا".

ووجه الرئيس الحالي لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وزير الخارجية البلجيكي كارل دي غوشت نداء لوقف أعمال العنف غير المبررة احتجاجاً على نشر الرسوم، داعياً في الوقت ذاته إلى صحافة حرة إنما مسؤولة. كما أعلن رئيس الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا رينيه فان دير ليندن أنها ستناقش قضية الرسوم في اجتماعها المقرر الشهر المقبل في باريس.

وفي كوبنهاغن، رفض رئيس الوزراء الدنماركي أندرس فوغ راسموسن اعتبار الرسوم الكاريكاتورية "التي تشكل جزءاً من تقاليدنا" تهجماً. وقال راسموسن لمجلة (الأهرام ويكلي) إنه "حين يظهر رسم كاريكاتوري أناساً في الدنمارك، فإننا لا نعتبر ذلك تهجماً لن لا نية لأي إهانة... نعتبر غالباً الرسوم الكاريكاتورية كتلك التي تظهر سياسيين، شرفاً كبيراً (...) لكن السياسيين يختلفون كثيراً عن الأنبياء".

إلى ذلك اقفلت كوبنهاغن بعثتها الديبلوماسية في بيروت حيث توقعت تنظيم تظاهرة أو أكثر خلال الأيام المقبلة، وجددت الخارجية الدنماركية دعوة جميع مواطنيها في لبنان إلى مغادرته. لكن الناطقة باسم الوزارة لون اندرسن أفادت أن حوالي 400 دنماركي يتحدر معظمهم من أصول لبنانية قرروا البقاء في هذا البلد، لافتة إلى أن السفارة الفرنسية في بيروت تسلمت مهام القنصلية الدنماركية.

وخلال مراسم عاشوراء في العراق، سعى الجنود الدنماركيون الـ 500 الذين ينتشرون في البصرة بقيادة بريطانية، إلى البقاء قرب معسكرهم لتفادي أي اشتباك مع الشيعة، وسط مخاوف من تصاعد العمليات ضدهم على خلفية قضية الرسوم.

وقلّلت القوات الدنماركية في العراق من دورياتها خلال الأيام الماضية لتجنب أي استفزاز للمشاعر بحسب بيان لقيادتها. وزاد البيان أن الوضع في منطقة انتشار القوات الدنماركية هادئ نسبياً لكنه متوتر، مضيفاً أن جنوداً دنماركيين "على اتصال مع السكان المحليين، لاحظوا أن العراقيين غاضبون ومندهشون من نشر رسوم للنبي(ص) في صحيفة دنماركية (...) إلا أنهم لا يتصرفون في شكل عدواني. وعلى رغم ذلك، فإن بعض الأطراف العراقية المتعاونة حذر الكتيبة الدنماركية من ازدياد خطر شن هجمات ضد جنودها"، بحسب البيان الذي أشار إلى أن أطرافاً متعاونة أخرى تشعر بالقلق من فكرة العمل مع الجنود الدنماركيين.

وتلقت الكتيبة الدنماركية عدداً كبيراً من التهديدات بشن هجمات انتحارية وتفجير قنابل ضد دورياتها، ما دفع بعض ضباطها إلى التفكير بإزالة العلم الدنماركي عن عربات الكتيبة، إلا أن الكولونيل طوني كيار أكد لوكالة الأنباء الدنماركية (ريتساو): "لا نرغب في أن نفعل ذلك، نحن هنا تحت علم دنماركي وسنواصل رفع العلم".

وفي روما، استقبل البابا بنديكت السيدة الأميركية الأولى لورا بوش، وأبلغها بقلقه في شأن الإرهاب في أنحاء العالم، وأعمال العنف التي أثارها نشر الرسوم. وقالت لورا اثر اجتماعها مع البابا "تحدث معي في شأن القلق من الإرهاب...والعنف في بيروت ودمشق ومدن أخرى". وتابعت: "أعلم أن المسلمين يشعرون بالإهانة نتيجة هذه الرسوم. وأتفهم هذا الشعور بالإهانة، (لكن) من ناحية أخرى لا أعتقد بأن العنف هو الحل، بل يحتاج الجميع في أنحاء العالم إلى أن يقول: دعونا نوقف هذا العنف".

وندد الكاردينال الإيطالي ريناتو رافايلي مارتينو "بعجرفة الدول الغنية والمتطورة التي لا تحترم ثقافة الآخرين" في قضية نشر الرسوم. وأوضح في مقابلة نشرتها صحيفة (لا ريبوبليكا) الإيطالية: "نعرف جميعاً أن لا مكان في الثقافتين اليهودية والإسلامية لتصوير الله. وفي الإسلام لا يجوز تصوير الله ولا نبيه".

من ناحية أخرى اعتذر أحد رسامي الكاريكاتورات المسيئة إلى النبي محمد(ص) التي نشرتها صحف دنماركية وأوروبية عن تصرفه (الساذج)، كاشفاً تلقيه وزملائه تهديدات من متشددين إسلاميين أكدوا معرفتهم بأسمائهم، ما استدعى توفير الشرطة حماية أمنية لهم.

وقال الرسام في حديث إلى صحيفة (فرانكفورتر الغمانية تسايتونغ) الألمانية التي لم تنشر اسمه لأسباب أمنية، إنه وزملاءه لم يقصدوا الإساءة إلى أحد، مضيفاً: "نحن الدنماركيين سذج ونعرف قليلاً عن العالم الكبير وعن الإسلام".

وبعدما كشف تلقيه وزملائه تهديدات بالقتل من إسلاميين، أكد أن هؤلاء كتبوا لهم أنهم يعرفون أسماءهم وإسم المسؤول عن الزاوية الثقافية في الصحيفة، مشيراً إلى أن الشرطة تؤمن لهم الحماية حالياً. وأتهم بعض الأئمة في الدنمارك بالكذب، لإظهاره رسوماً أخرى في العالم العربي لم يرسمها هو أو أحد من زملائه.

وانتقد الكاتب الألماني الكبير غونتر غراس الحائز على جائزة (نوبل) للآداب في شدة نشر الرسوم في الصحيفة الدنماركية، معرباً عن اعتقاده بأن النشر "كان بهدف الاستفزاز ومخططاً له عن قصد". وأوضح أن الصحيفة "كانت تعرف بأن تصوير الله أو النبي محمد(ص) ممنوع في العالم الإسلامي، لكنها قامت بفعلتها لأنها يمينية راديكالية ومعادية للأجانب".

 وفي هذا السياق، اعتذرت صحيفة (ييلاندس بوستن) الدنماركية للمرة الثانية إلى المسلمين عن نشرها الرسوم، في رسالة سلمتها السفارة الدنماركية في الجزائر إلى الصحف الجزائرية. وجاء في الرسالة التي كتبت باللغة العربية ونشرتها صحيفة (لاتريبون) بالفرنسية: "نعتذر عن سوء التفاهم الكبير الذي نتج من نشر رسوم كاريكاتورية صورت النبي محمد(ص) وغدت مشاعر عدوانية تجاه الدنمارك". وتابعت الرسالة التي وقعها رئيس تحرير الصحيفة كارستن يوست: "لم ندرك أي في وقت الحساسية القصوى للمسلمين المقيمين في دنمارك والمسلمين الأخرين في العالم حيال هذه المسألة". وكانت الصحيفة الدنماركية أعتذرت في 30 كانون الثاني الماضي في رسالة موجهة إلى وكالة (بترا) الأردنية.

إلى ذلك، أعلن رئيس التحرير ليل أن الصحيفة لن تنشر رسوماً كاريكاتورية عن محرقة اليهود تجري صحيفة (همشهري) الأيرانية مسابقة في شأنها. وأكد يوست على موقع الصحيفة على الانترنت أنها "لا تريد في أي حال من الأحول نشر رسوم عن المحرقة لصحيفة إيرانية"، ما يخالف إعلان مسؤول الفصات الثقافية في الصحيفة فليمينغ روز أخيراً أستعداده لنشرها.

وفي أوسلو، أعلن فيبيورن سيلبك رئيس تحرير مجلة (ماغازينت) النرويجية المسيحية التي أعادت نشر الرسوم في 10 كانون الثاني أن المجلة (تفكر في اجراءات مصالحة) مع المسؤولين المسلمين النرويجيين. ولكن سيلبك الذي تلقى تهديدات بالقتل خلال الأسابيع الماضية، أستبعد تقديم اعتذارات غير مشروطة.

وفي الولايات المتحدة، نشرت صحيفة (واشنطن تايمز) الأميركية المحافظة إطاراً فارغاً أرفقته بتعليق يندد بفتور الرد الأميركي على الجدل حول الرسوم، في حين استقال رؤساء تحرير أسبوعية (نيويورك برس) احتجاجاً على قرار عدم نشر الرسوم.

وكتبت (واشنطن تايمز) تحت الإطار الفارغ في صفحة مخصصة للافتتاحيات (حرية التعبير الأميركية كما تمارس في الوقت الحاضر في مواجهة خطر العنف الإسلامي). ورافق الإطار افتتاحية انتقدت موقف البيت الأبيض عند اندلاع الأزمة إذ لم يعلن تأييده الدنمارك سوى متأخراً، ما سدد ضربة لـ (تصميم أوروبا على حماية الحضارة الغربية).

واستقال رؤساء تحرير (نيويورك برس) احتجاجاً على قرار ناشري الأسبوعية عدم نشر الرسوم. وكتب رئيس التحرير هاري سيغل أن "نيويورك برس شأنها شأن منشورات أخرى، خانت المبادئ التي تدعو إليها"، مبرراً قرار الإستقالة بضرورة الدفاع عن حرية الصحافة. و (نيويورك برس) هي ثاني أكبر أسبوعية توزع مجاناً في نيويورك.

وفي ماليزيا، أعلنت صحيفة (نيو سريتس تايمز) أن الحكومة قررت حجب صحيفة يومية بعدما نشرت الرسوم. وكانت صحيفة (ساراواك تريبيون) نشرت الرسوم لتوضيح تقرير نُشر في صفحاتها الداخلية عن الغضب الدولي، لكنها عادت ووصفته بأنه (خطأ) ارتكبه المحرر المسائي وهو ليس مسلماً.

10 ـ 2 ـ 2006

في وقت أعلن الاتحاد الأوروبي جولة عربية وإسلامية لمنسق سياسته الخارجية خافيير سولانا في محاولة لاحتواء الغضب من الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد(ص)، استبعد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان تورط سورية وإيران في التحريض على أعمال العنف التي شهدتها الاحتجاجات على الكاريكاتورات.

وشهدت أوروبا تطورات لافتة في شأن الازمة، إذ أغلقت الحكومة السويدية موقع حزب متطرف على الإنترنت لنشره الرسوم، واعتبر رئيس الوزراء الفرنسي دومينيك دوفيلبان أن الرسوم "لا تبدو مسؤولة"، كما أعلن وزير الخارجية الهولندي بين بوت عزمه زيارة قطر والسعودية لاحتواء الأزمة.

ويلتقي سولانا في جولته خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ووزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، كما يلتقي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي كمال الدين إحسان أوغلو. وتتضمن رحلة سولانا زيارة القاهرة للقاء الرئيس حسني مبارك ووزير الخارجية أحمد ابو الغيط، قبل أن يغادرها إلى الأردن للقاء الملك عبد الله الثاني، ثم الأراضي الفلسطينية. وسيختتم جولته بزيارة لإسرائيل للقاء وزيرة خارجيتها تسيبي ليفني.

وأفاد بيان أصدره مكتب سولانا أنه "سيلتقي قادة العالمين العربي والإسلامي، لعقد محادثات تهدف إلى تغليب الحوار واستعادة علاقات الصداقة والاحترام المتبادل وتقويتها بين أوروبا والعالم الإسلامي".

وتأتي جولة سولانا في وقت استبعد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان أن تكون سورية وإيران أسهمتا في تأجيج أعمال العنف ضد المصالح الغربية في الدول الإسلامية خلال الاحتجاجات على الرسوم. وقال: "من الصعب قول ذلك، ولا توجد أدلة على هذا الأمر".
 
وكانت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس اتهمت دمشق وطهران بصب الزيت على النار. وقالت: "لا يساورني أي شك بأن ايران وسورية قامتا بكل ما في وسعهما لتأجيج المشاعر واستخدام ذلك لخدمة مأربهما".

وأشار انان إلى أن الجدل حول الرسوم سيكون من المواضيع الأساسية للنقاش في لقائه مع الرئيس جورج بوش.

ودعا وزير الخارجية المصري أحمد ابو الغيط في رسالة إلى كوفي أنان إلى اصدار إعلان يؤكد مخالفة الرسوم الدنماركية للمواثيق الدولية من أجل "تهدئة مشاعر المسلمين في العالم". وأشار مصدر رسمي في الخارجية المصرية إلى أن ابو الغيط (ناشد) أنان في رسالته "الاضطلاع بدور فاعل في مواجهة الموقف الراهن بما يسهم في تهدئة مشاعر المسلمين في العالم أجمع التي تأذت في شكل بالغ من جراء نشر الصور الكاريكاتورية".

وفي واشنطن، قال السفير السعودي في الولايات المتحدة الأمير تركي الفيصل لوكالة (أسوشييتد برس) إن العنف "لا يجدي، وفي أحوال كثيرة غير ضروري"، وأضاف: "عندما أهين نبينا وهو ينقل رسالته إلى الكفار، واجه عنفهم بالتسامح".

وفي السويد، اغلقت شركة انترنت موقعاً لحزب يميني متطرف يعرض رسوماً للنبي محمد بعد ضغوط من الشرطة ووزارة الخارجية خشية أن تذكي غضب المسلمين.

ودعا حزب (الديموقراطيين السويديين) المناهض للهجرة القراء إلى إرسال رسوم للنشر على موقعه على الانترنت إلى جانب الرسوم الدنماركية التي اشعلت تظاهرات عنيفة من المسلمين في مختلف أنحاء العالم. وأغلقت الشرطة الموقع بعدما حذرت وزيرة الخارجية ليلى فريفالدز من "عواقب وخيمة للشعب والمصالح السويدية".

وفي باريس، اعتبر رئيس الوزراء الفرنسي دومينيك دوفيلبان أن الرسوم "لا تبدو مسؤولة". وقال: "أؤمن بعمق بقيم الاحترام والتسامح والانفتاح على معتقدات الاخرين، وانطلاقاً من وجهة النظر هذه، وحتى لو كانت حرية الصحافة مبدأ لا يجوز المساس به في جمهوريتنا، فإن الرسوم الكاريكاتورية التي نشرت أخيراً لا تبدو لي مسؤولة".

وكشف استطلاع أن 58 في المئة من الدنماركيين يتهمون رجال الدين المسلمين في الدنمارك ويعتبرونهم المسؤولين الرئيسيين عن اتساع حجم النزاع حول الرسوم في العالم الإسلامي.

وكرر رئيس تحرير مجلة (ماغازينت) النرويجية المسيحية التي كانت أول من أعاد نشر الرسوم فيبيورن سيلبك اعتذاره. وتلا سيليك بياناً كتب بالتشاور مع المجلس الإسلامي النرويجي قال فيه: "أتوجه شخصياً إلى الأوساط الإسلامية لأقول إنني آسف أن تكون مشاعركم الدينية قد تأذت (..) لم يكن أبداً في نيتنا إيذاء أي كان".

وفي السياق نفسه، قررت صحيفة (يولاندس بوستن) الدنماركية التي تسبب بالأزمة، إعطاء رئيس تحرير القسم الثقافي الذي بدأ بنشر الرسوم المسيئة إجازة، بعدما أشار إلى أنه سينشر رسوماً كاريكاتورية للمحرقة النازية لليهود. وقال رئيس تحرير الصحيفة كارستين يوستي: "أبلغت هيئة رؤساء التحرير فليمنغ روز القيام بإجازة لأن لا أحد يستطيع فهم نوع الضغط الذي يتعرض له".

وفي سيدني، اعتبر رئيس الوزراء الاسترالي جون هاورد أن ردود الأفعال العنيفة على الرسوم "لا تتناسب على الإطلاق وحجم الإساءة التي قد يكون سببها نشر الرسوم".

إلى ذلك، فرضت ماليزيا حظراً شاملاً على نشر أو حيازة الرسوم المسيئة للنبي محمد(ص). وقالت حكومة ماليزيا في بيان قصير يؤكد أمرها بإغلاق صحيفة (ساراواك تريبيون) إنها أمرت بالحظر لضمان الانسجام العرقي. وحذر رئيس الوزراء الماليزي عبد الله أحمد بدوي من "بداية هوة كبيرة بين الإسلام والغرب" بسبب العراق وأفغانستان وفلسطين.

ودعت رئيسة الوزراء البنغالية خالدة ضيا إلى الاعتذار عن الرسوم، وقالت: "نحن لدينا إيمان راسخ بحرية التعبير (...) ولكن على الجميع أن يدركوا مسؤولياتهم حتى لا تؤذي هذه الحرية مشاعر أي شخص أو عقيدته أو كرامته".

واعتبر الرئيس الاندونيسي سوسيلو بامبانج إنه "لا بد أن نعي الدرس من نشر الرسوم في صحيفة دنماركية. حق حرية الصحافة ليس مطلقاً. يجب أن نحترم كل الأديان".

وفي طهران، طالب رجل الدين البارز أية الله أحمد خاتمي المتظاهرين إلى التوقف عن مهاجمة السفارات الجنبية. وقال إن "ترديد الشعارات وتنظيم التظاهرات والتنديد بمثل هذه الإجراءات شيء مقدس. لكنني أشعر أنهم يريدون أن يتم إشعال النار في سفاراتهم حتى يمكن أن يقولوا أنهم أبرياء. لنسلبهم هذا العذر".

وفي لبنان، دعا المرجع العلاّمة محمد حسين فضل الله المسلمين إلى "متابعة التحرك بكل ما يملكون من وسائل الضغط، تعبيراً عن الإستياء من الرسوم المسيئة".

ميدانياً لم تخل تظاهرات الاحتجاج، ضد الرسوم الدنماركية المسيئة للنبي محمد(ص) من أعمال عنف، إذ قتل شاب حين فتحت الشرطة الكينية النار على تظاهرة لمسلمين احتجاجاً على الرسوم، فيما رشق إيرانيون السفارة الدنماركية في طهران بالحجارة.

وشهدت آسيا أكبر تظاهرات منذ بداية أزمة الرسوم الكاريكاتورية، إذ خرج آلاف عقب صلاة الجمعة إلى الميادين الرئيسية في باكستان وماليزيا وبنغلاديش والهند وسريلانكا. وفي وقت أحرق متظاهرون الأعلام الدنماركية، دعا بعضهم إلى قتل ناشري الرسوم، فيما دعا آخرون إلى قطع العلاقات الديبلوماسية مع الدول التي أعادت صحفها نشر الكاريكاتورات المسيئة.

في نيروبي، أطلقت الشرطة الكينية الذخيرة الحية وقنابل الغاز المسيل للدموع على مئات المتظاهرين بعد تعرض عناصرها للرشق بالحجارة خلال منع تظاهرة من الوصول إلى السفارة الدنماركية. وطاردت الشرطة المتظاهرين الذين هربوا إلى ساحة أحد المساجد، قبل أن تلقي قنبلتي غازعلى الحشد الذي رد بإلقاء الحجارة. و قتل أحد المتظاهرين واصيب ثان خلال المواجهات.

وتجمع في كوالالمبور نحو ثلاثة آلاف مسلم أمام السفارة الدنماركية، وأخذوا يرددون: "عاش الإسلام، الدمار للدنمارك، الدمار لجورج بوش، الدمار لإسرائيل، الدمار لأميركا".

وفي باكستان، احتشد بضعة آلاف من المتظاهرين في الساحة الرئيسية في وسط العاصمة إسلام آباد، مرددين هتافات تطالب بمقاطعة الدول التي أعادت صحفها نشر الرسوم. وقاد المتظاهرين برلمانيون وسياسيون من مختلف الأحزاب، دعوا إلى طرد سفراء الدنمارك والنرويج وفرنسا وألمانيا.

ودعا بعض قادة المتظاهرين إلى قتل من رسم ونشر الرسوم في الصحف الغربية ودافع عنها. وقال عضو برلمان بيشاور القيادي في جمعية علماء الإسلام في مدينة مردان قاري سعيد الرحمن إن "دستور باكستان ينص على إعدام أو معاقبة كل من يسيء إلى مؤسس الدولة محمد علي جناح، فكيف لا نطالب بإعدام من أساء للرسول(ص)". وأضاف: "لقد تجاوز الغربيون حدودهم في الحديث عن حرية الصحافة والإعلام، نحن نتفهم الحرية لكن ليس معنى ذلك الإساءة للدين والتجديف وطعن أنبياء الله عز وجل".

وأصيب أحد المتظاهرين بجروح في مدينة بيشاور، شمال غربي باكستان، بسبب القنابل المسيلة للدموع التي أطلقتها الشرطة. كما جرت تظاهرات أخرى في مدن كراتشي ولاهور وكويتا ومولتان.

وفي بنغلاديش، تظاهر نحو 20 ألف شخص احتجاجاً على الرسوم. وقال زعيم حزب التحرير الإسلامي الذي نظم أكبر تظاهرة في العاصمة دكا محيي الدين أحمد إن "الرسوم الكاريكاتورية هي جزء من حملة صليبية يشنها الغرب ضد الإسلام. ولا يمكن لأي مسلم أن يحتمل هذه الرسوم".

أما في الهند، فوطأت أقدام آلاف المتظاهرين في نيودلهي وكشمير الأعلام الدنماركية التي أحرقوا مئات منها. ورفع متظاهرون في سريلانكا لافتات كتبوا عليها: "لا تسخروا من ديننا. (لتذهب) حرية التعبير إلى قنوات الصرف". وأحرق عشرات المتظاهرين إطارات سيارات في إندونيسيا. أما في الفيليبين، فتجمع نحو 200 مسلم عقب صلاة الجمعة أمام مسجد في حي كيابو في مانيلا وهم يطلقون صيحات التكبير، ثم أحرقوا أعلاماً للدنمارك. وتفرقت التظاهرة بهدوء من دون وقوع أي حادث.

كذلك، تظاهر آلاف في ولاية كانو الشمالية في نيجيريا، وأحرقوا الأعلام الدنماركية والنرويجية. وخرج مئات في مسيرات احتجاج سلمية ضد الرسوم في مناطق متفرقة من الصومال، كما أعلنت قيادات إسلامية في أوغندا أنها قد تنظم تظاهرات الأسبوع المقبل.

في فلسطين هددت حركة (الجهاد الإسلامي) بالقيام بأعمال عنف بسبب الرسوم المسيئة للنبي محمد(ص). وقال زعيم الحركة خضر حبيب لآلاف من أنصاره عقب صلاة الجمعة في غزة: "إننا نقول للغرب الكافر الذي تجرأ على الحبيب محمد(ص) إننا اليوم نكتفي بتظاهرات، وإن لم يكتفوا ولم يمتنعوا عن الإساءة للحبيب محمد سنفدي رسول الله بدمائنا وأرواحنا". وأضاف: "نقول اليوم أننا سنكتفي بالاعتذار من الحكومات، ولكن إن استمروا في إساءاتهم سنحرق الأرض تحت أقدامهم". وخرج آلاف الفلسطينيين في تظاهرات سلمية منددة الرسوم في غزة لكن بعض المشاركين أطلق النار في الهواء.

وتظاهر ألفا شخص في عمّان للتنديد بالرسوم المسيئة بدعوة من حزب (جبهة العمل الإسلامي) (الذراع السياسية لجماعة (الأخوان المسلمين) في الأردن)). وانطلقت التظاهرة في اتجاه مقر بعثة الاتحاد الأوروبي عقب صلاة الجمعة. ورفع المتظاهرون المصاحف ولافتات تندد بالرسوم.

أما في القاهرة، فتظاهر بضع مئات من المصريين في الجامع الأزهر عقب صلاة الجمعة وأحرقوا علم الدنمارك وانتقدوا (صمت) الرئيس حسني مبارك على نشر الرسوم. وقالت مصادر في جماعة (الأخوان المسلمين) إن عدداً من المتظاهرين أصيبوا في اشتباكات مع قوات الشرطة في مدينة المحلة الكبرى شمال القاهرة. واشارت إلى أن المتظاهرين "فوجئوا بقوات الشرطة تطلق مدافع المياه والقنابل المسيلة للدموع عليهم وردوا عليها بالرشق بالحجارة". وقال أحد المصادر من دون أن يحدد عدد الإصابات: "سقط عشرات المصابين من المتظاهرين".

وفي الرباط تظاهر آلاف المغاربة احتجاجاً على الرسوم المسيئة. وشارك وزراء في مقدمهم وزير الشؤون الإسلامية أحمد توفيق ورؤساء أحزاب.

11 ـ 2 ـ 2006

غادر سفيرا الدنمارك في إيران واندونيسيا ومساعدون لهما هذين البلدين إلى (مكان غير محدد) أثر تلقيهم تهديدات بالتعرض إلى أمنهم، فيما سحبت كوبنهاغن سفيرها في دمشق بسبب تقليصها الحماية الأمنية المخصصة له إلى مستوى (غير مقبول).

جاء ذلك في وقت اعتبر المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر ، أن على الأوروبيين أن يكونوا أكثر تفهماً لمعتقدات المسلمين، في إشارة إلى معارضته نشر الرسوم.

وأوضح شرودر خلال افتتاح منتدى جدة الاقتصادي أن "التكامل الأوروبي بُني على أساس احترام الثقافات الأخرى والتسامح والاعتراف بالتنوع الثقافي، مضيفاً أن ذلك يشمل الامتناع عن أي عمل يصدم المشاعر الدينية الحقيقية، وهو ما لم يحصل للأسف، في كثير من الأماكن بما فيها أوروبا في الأشهر الأخيرة".

وقال شرودر الذي قدمه منظمو منتدى جدة بصفته صديقاً قديماً، "إن علينا العودة إلى طريق التسامح واحترام القيم الثقافية والدينية"، مطالباً بإقامة الجسور بين ثقافاتنا. وعلى رغم (حزنه) لنشر الرسوم، إلا أن المستشار الألماني السابق أبدى معارضته لردود الفعل العنيفة من بعض المتطرفين الإسلاميين.

 ويبدأ خافيير سولانا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جولة في الشرق الأوسط لإعادة (روابط الصداقة) مع العالم الإسلامي غداة نشر الرسوم. وسيلتقي سولانا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ووزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل قبل أن يزور مقر (منظمة المؤتمر الإسلامي) في جدة لإجراء محادثات مع أمينها العام اكمل الدين احسان أوغلو. وقال المكتب الصحافي لسولانا إن الأخير سيسعى في السعودية إلى "تشجيع الحوار" و "تعزيز العلاقات الودية والاحترام المتبادل بين أوروبا والعالم الإسلامي".

وبعد السعودية، سيتوجه سولانا إلى القاهرة حيث يلتقي الرئيس حسني مبارك والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى. كما سيزور الأزهر الشريف للقاء شيخه محمد سيد طنطاوي. ويختتم سولانا جولته بزيارة الأراضي الفلسطينية وإسرائيل.

وفي السياق ذاته، غادر سفيرا الدنمارك في إيران واندونيسيا ومساعدوهما (مؤقتاً) هذين البلدين إثر تهديدات وجهت لهم، كما أفادت الخارجية الدنماركية. وتابعت الوزارة في بيان أن رئيس البعثة في طهران وديبلوماسييه غادروها مؤقتاً بعد تلقي (معلومات حول تهديدات ملموسة وجدية ضد السفير). وتتولى سفارة فنلندا في العاصمة الإيرانية تصريف الشؤون القنصلية للدنمارك حتى إشعار آخر.
وفي جاكرتا، غادر السفير الدنماركي ومساعدوه أيضاً إندونيسيا اثر تلقي (تهديدات موثوق بها وملموسة ضد أمن موظفي السفارة). وستتولى البعثة الديبلوماسية الهولندية تصريف أعمال القنصلية الدنماركية.

وقال لارس ثوسن من خلية الأزمة في الخارجية الدنماركية إن "السفيرين ومساعديهما توجهوا إلى دول أخرى لا نرغب في تحديدها". وكانت الخارجية الدنماركية أعلنت أن سفيرها في دمشق ومعاونيه "غادروا مؤقتاً سورية لأن السلطات السورية قلصت التدابير الأمنية من أجل حمايتهم إلى مستوى غير مقبول".

وعلى صعيد آخر، كشف مسؤولون في الشركات الدنماركية أنها تحاول الالتفاف على انتشار مقاطعة منتجاتها في العالم الإسلامي، عبر استخدام عبارة (صنع في الاتحاد الأوروبي) بدلاً من الدنمارك.

واعتبر وزير المالية الدنماركي ثور بيدرسن أن هذه الأزمة "لا تشكل تهديداً للاقتصاد الدنماركي في وضعه اليوم"، مضيفاً في حديث إلى صحيفة (بيورسن) الاقتصادية: "لا أعرف حتى متى ستدوم هذه الاضطرابات. ومع ذلك فإني مقتنع أنه لن يكون لها تأثير على المدى الطويل" على الاقتصاد.

وأوضح المعهد الوطني للاحصاء أن الصادرات الدنماركية إلى الدول العربية الإسلامية متواضعة نسبياً، وتقدر قيمتها بحوالي 14 بليون كورون دنماركي (1,9 بليون يورو)، أي حوالي ثلاثة في المئة من إجمالي صادرات المملكة الاسكندنافية في 2004.

ورأى رئيس قسم المحللين في (دانسكي بنك) أكبر مجموعة مصرفية في الدنمارك، ستين بوسيا أن "الاقتصاد الدنماركي يتمتع بدرجة كافية من المتانة لمقاومة مقاطعة شاملة من الدول الإسلامية مع خسارة عشرة آلاف وظيفة في أسوأ الحالات".

وطلبت جمعية أصحاب السفن الدنماركية من أعضائها إنزال أعلام الدنمارك عن سفنهم التي ترسو في شواطئ دول إسلامية.

وفي إيران اتهم الرئيس محمود أحمدي نجاد بلداناً أوروبية بكونها دمى في أيدي إسرائيل، بسبب نشر صحف فيها رسوماً كاريكاتورية مسيئة إلى النبي محمد(ص). تزامن ذلك مع تواصل التظاهرات الاحتجاجية في أنحاء العالم الإسلامي وفي برلين وباريس ولندن حيث شارك آلاف المسلمين والمسيحيين في مسيرة حاشدة.

واعتبر أحمدي نجاد في خطاب ألقاه أمام حشد في الذكرى السنوية للثورة الإسلامية أن الغربيين "يقولون إن بلدانهم حرة لكنهم يكذبون. إنهم رهائن للصهاينة، ويجب أن يدفع الأميركيون والأوروبيون ثمن ذلك". وأضاف أحمدي نجاد: "كيف تكون الإساءة في بلدكم بلا قيد، فيما أي بحوث حول المحرقة تعد جريمة". وسبق أن وصف نجاد المحرقة بأنها أسطورة، معتبراً أن قتل ستة ملايين يهودي على يد النازيين وحلفائهم قصة مختلقة لدعم المصالح الإسرائيلية.

جاء ذلك في وقت رأى الرئيس الأندونيسي سوسيلو يودويونو أن إعادة نشر الرسوم تضر بالجهود المبذولة لأثبات انسجام الإسلام والديموقراطية، قائلاً إنها تذكّر المجتمع الدولي بأن "أبواب الجحيم قد تفتح في عالم يتسم بعدم التسامح والجهل".

من جهته، أعرب رئيس الوزراء الماليزي عبدالله أحمد بدوي الذي تتولى بلاده رئاسة (منظمة المؤتمر الإسلامي) عن أسفه (للهوة) التي تفصل بين العالم الإسلامي والغرب الذي اتهمها "بتشويه صورة الإسلام". وقال إن الغرب يريد الهيمنة على الغاز والنفط في العالم، ما أدى إلى إيجاد هوة في علاقة مع الإسلام.

وفي لندن، شارك آلاف المسلمين والمسيحيين في تظاهرة منددة بالرسوم، وبهدف التعبير عن آراء (جموع المسلمين المعتدلين)، وذلك رداً على تظاهرة للمتشددين الإسلاميين رفعت شعارات تدعو إلى القتل وتمجد الإرهابيين، وانطلقت التظاهرة التي دعا إليها المجلس المسلم البريطاني بدعم من عمدة لندن ومنظمات مسيحية وأخرى مدافعة عن السلام، من ساحة ترافلغر وسط لندن حيث رفعت شعارات مناهضة للإسلاموفوبيا. كما ألقى نواب ومسؤولون في الجالية الإسلامية كلمات دعوا فيها إلى احترام الإديان. كما تظاهر آلاف المسلمين في وسط باريس، رافعين لافتات ضد الإسلاموفوبيا وإهانة الرسوم، فيما شهدت كل من دوسلدروف وبرلين مسيرة شارك فيها آلاف المسلمين.

وكان حوالي 300 مسلم تظاهروا في وسط دبلن، احتجاجاً على نشر الرسوم. وأفادت الشرطة أن المتظاهرين الذين مروا أمام السفارة الدنماركية من (مسلمي ايرلندا)، مشيرة إلى عدم وقوع أي أعمال عنف خلال المسيرة.

وفي المغرب، ندد عشرات آلاف المواطنين بالرسوم في تظاهرة حاشدة تعد الأكبر من نوعها في الرباط، انطلاقاً من ساحة (باب الحد) مروراً بشارع (محمد الخامس) ثم شارع (النصر).

وفي باكستان، شاركت الأحزاب الدينية والسياسية في مؤتمر حول الدفاع عن النبي محمد(ص) في إسلام آباد، في وجه (الحملة الغربية ضد الدين الإسلامي).

وفي كركاس (فنزويلا)، أفاد مراسل وكالة (فرانس برس) أن حوالي 50 شخصاً من المسلمين والمسيحيين تظاهروا سلمياً في كركاس احتجاجاً على نشر الرسوم. وتوجه المتظاهرون من المسجد الوحيد في العاصمة إلى مقر السفارة الدنماركية.

وضمن المواقف اعتبر الرئيس الإيراني السابق السيد محمد خاتمي، أنه من الخطأ الحديث عن (انتهاء التاريخ)، بعد انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، رافضاً تصور بعض الجهات في الغرب، التي ترى انتهاء التطور التاريخي للحضارات وتجدد الأنظمة السياسية، بعد الوصول إلى نظام (الليبرالية الديموقراطية على الطريقة الغربية). وكان خاتمي يتحدث خلال مؤتمر بحث العلاقة بين العالم الإسلامي و الغرب، الذي أنهى أعماله في كوالالمبور في ماليزيا . وتطرق 50 مشتركاً في مؤتمر (من يتحدث باسم الإسلام ومن يتحدث باسم الغرب)، على مدار يومين إلى المجالات التي تؤثر على العلاقة بين العالم الإسلامي والغربي، بما فيها التعاون العلمي وتأثير العولمة على العالم الإسلامي وعلاقته بالغرب. وعلى الرغم من أن المؤتمر أنهى أعماله من دون طرح حلول جذرية للتحديات التي تواجه العالمين الإسلامي والغربي في القرن الحادث والعشرين، إلا أنه استطاع جمع مجموعة من الناشطين في دعم الحوار بين الحضارات ونبذ العنف، بالإضافة إلى تسليط الضوء على ضرورة استمرار الحوار بين العقلاء من الجانبي، ورفض التطرف وأعلن الدكتور مصطفى تليلي، مدير معهد (الحوارات: العالم الإسلامي، الولايات المتحدة والغرب)، التابع لجامعة نيويورك، ومنظم المؤتمر مع وزارة الخارجية الماليزية، أن الحكومة الماليزية تنوي استضافة هذا المؤتمر سنوياً لدعم الحوار بين الحضارات.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، إن العالم يشهد "تصاعداً في التطرف والعنف وعدم التسامح، مما صعب العلاقات بين العالمين الغربي والإسلامي"، مضيفاً: "هناك خطر من أن يتحول الحوار الضروري بين الثقافات والمجتمعات إلى تبادل عصبي بين المتطرفين، وكل جانب يتصور بأن المتطرفين يتحدثون بالنيابة عن الجانب الآخر، مما يدفعهم للسماح للمتعصبين بالرد العنيف بالنيابة عنهم". وتابع أنان في رسالة بعثها إلى المؤتمر وقرأها بالنيابة عنه اقبال رضا، المستشار الخاص لأنان، في مبادرة (تحالف الحضارات)، أنه على قدر أهمية الحوار بين الطرفين.

وكان اليوم الأخير من المؤتمر، مليئاً بالنقاشات المكثفة حول الحضارتين الإسلامية والغربية، مع إصرار عدد من المشتركين من الجانبين، على أنه لا توجد حضارتان منفصلتان، بل هو تواصل بين الشعوب على أصعدة مختلفة، منها الخوف المشترك من الخطر من الأمراض القاتلة، مثل السرطان أو وباء جديد من الأنفلونزا. وكانت جلسات النقاش مغلقة، ما جعل الكثير من المشاركين يتحدثون بصراحة أحياناً، أدت إلى مشادات كلامية سرعان ما سيطر عليها الدكتور مصطفى تليلي، بمطالبة الحضور بضرورة التحلي بالصبر والاستماع إلى الرأي الآخر، مما اثرى المناقشات.

وقدم المفتي العام لدولة البوسنة والهرسك الشيخ مصطفى شيريتش طرحاً، أيده فيه الأمين العام لمجلس مسلمي بريطانيا السير اقبال سكراني، يطالب بالنظر إلى المسلمين في أوروبا والدور الذي بامكانهم لعبه في مد جسر بين الحضارتين الإسلامية والغربية. وقدم المفتي ورقة تحت عنوان (إعلان من مسلمي أوروبا)، فيها دراسة مفصلة عن دور المسلمين في القارة الأوروبية. وقال شيريتش: "لكي نحصل على نتيجة ملموسة بشأن العلاقة بين المسلمين والغرب، يجب أن نجرب جملة من الحلول، وبعض المؤتمرات تفشل، ومنها نتعلم النجاح، وهذا المؤتمر بالذات نجح لأنه استطاع استقطاب هذا الجمع، في وقت نشهد اسفل درجة من الثقة بين المسلمين والغرب في التاريخ، والذي يستطيع أن يعيد هذه الثقة يستطيع أن يقول أنه وجد الطريق للسلام في العالم".

وشدد المفتي على أهمية اتخاذ المسلمين حول العالم خطوات لاصلاح حالهم وتعريف العالم بتعاليم دينهم الحنيف، قائلاً: "ما نراه يحصل للمسلمين الآن هو ابتلاء من الله تعالى، فـ 50 في المائة من اللاجئين في العالم، هم مسلمون والذين قتلوا في الزلزال في باكستان، هم مسلمون، وغيرها من حوادث يومية نراها، بما فيها الحروب في الأراضي المسلمة". وخلص إلى القول: "ادعو الله أن يعطينا الحكمة والشجاعة وأن نجمع هاتين الصفتين وأن نستغل هذا الإبتلاء لنقدم الخير للعالم، فالله تعالى يريد منا شيئاً".

وحتى الساعة الاخيرة من المؤتمر، كان البعض يناقش الجدوى من الحديث عن الغرب، وما تعنيه هذه العبارة من موقع جغرافي أو مبادئ معينة. وقال رئيس (المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والسياسية) في موسكو، فيلتاي ناومكين لـ (الشرق الأوسط): "العبارات المحددة تثير بعض الصعوبات، ولكن علينا تخطي هذه الصعوبات والعمل على ايجاد حلول ملموسة للمشاكل التي نشهدها". واعتبر أن روسيا "هي جزء من الحضارة الغربية والإسلامية، فهناك 15 مليون مسلم في روسيا وهم يسكنون هذه الأراضي من قرون، وفي الوقت نفسه بعض مناطق روسيا متأثرة بالحضارة الغربية، فنحن نجمع الجانبين وقد تكون روسيا جسراً بين الطرفين".

ورعى (معهد الدبلوماسية والعلاقات الخارجية) الماليزي المؤتمر مع معهد (الحوارات: العالم الإسلامي، الولايات المتحدة والغرب) التابع لجامعة نيويورك، مع تمويل من وزارتي الخارجية البريطانية والفرنسية، بالإضافة إلى صندوقين خيريين هما (صندوق الخوين روكرفلير) و (معهد ماكارثر). وشرح مدير المؤسسة الأولى، المعروفة بتمويلها مشاريع خيرية ومؤتمرات تهتم بالسياسيات الخارجية، التي تهم الولايات المتحدة، ستيفن هانيز، الأسباب وراء تمويل مؤسسات أميركية لمثل هذه الفعاليات، قائلاً "إن موضوع العلاقة بين الإسلام والغرب من أهم الشؤون التي تواجهنا في القرن الحادث والعشرين، والطريقة الوحيدة لتواصل علاقة صحية وجيدة للطرفين، عن طريق معرفة أفضل والحوار المفتوح". وأضاف: "نحن نعمل من جانبين، الأول من خلال الحوار مع الطبقات العليا من مراكز القرارات السياسية ومن الطبقات الشعبية لتوسيع المعرفة، وعند التقاء الجهدين سيحصل التغيير الاجتماعي الإيجابي".

على محور آخر ذكر فليمنغ روز، المحرر الدنماركي الذي تسبب قراره في نشر رسوم كاريكاتورية للرسول(ص) في غضب عارم في العالم الإسلامي، أنه ترك عمله في الصحيفة بعد منحه إجازة مفتوحة.

وقد تحمل روز، 47 عاماً، مسؤولية قرار الصحيفة (ييلاندس بوستن)، لنشر الكاريكاتور، مشيراً إلى حرية الصحافة. ورفض الاعتذار عن الرسوم التي اعتبرها العديد من المسلمين تدنيساً للمقدسات.

وقال روز أن الضغوط التي تعرض لها في الأسابيع الماضية جعلته لا ينام لأيام طويلة.

وأوضح روز الذي يشغل منصب المحرر الثقافي للجريدة أنه "يشعر بالإمتنان للصحيفة لأنها أعطته الفرصة للراحة". وأضاف أنه "متعب. وفي وسط أزمة لا تستطيع تقدير التوتر الذي تتعرض له. وأنا سعيد لأن شخصاً ما في الصحيفة لديه الشجاعة لاتخاذ القرار بمنحي إجازة، لأنك تريد في بعض الأحيان الاستمرار في المواجهة".

واعترف روز أنه كان من لخطأ القول في مقابلة مع شبكة (سي. ان.ان) التلفزيونية أن الصحيفة تنوي إعادة طبع رسوم كارتونية تعلقة بالهولوكوست في اطار مسابقة تحت رعاية صحيفة إيرانية. وقال أنه ليست لديه أية نية في إهانة اليهود، ولكنه اقترح نشر تلك الرسوم الكاريكاتورية في إطار طرح فكر السخرية في الشرق الأوسط على الدنماركيين. وقال روز أيضاً أنه أخطأ في اقتراحه في تلفزيون الدنماركي بضرورة نشر صحيفة (ييلاندس بوستن) بعض الرسوم الكاريكاتورية السابقة التي تسخر من اليهود، ومن بينها رسم لنجمة داوود في شكل قنبلة من واحد من رسامي الكارتون الذي رسم أحد الرسوم المتعلقة الرسول(ص). وقال أنه "كان يسعى للتوضيح أننا في الدنمارك ليست لدينا مشاعر معادية للمسلمين، وأننا نشرنا تلك الرسوم من قبل بدون التسبب في مقاطعة البضائع الدنماركية في إسرائيل أو في الدول المسيحية". وكانت (ييلاندس بوستن) قد نشرت بعض الرسوم الكاريكاتورية من العالم العربي، من بينها رسم يظهر فيه برج في معسكر أوسفيتش ملفوفاً بالعلم الإسرائيلي.

وكانت الصحيفة قد اعتذرت في الأسبوع الماضي عن إهانة لمسلمين، ولكنها التزمت قرارها بنشر تلك الرسوم. وقال روز "أشعر بالأسف إذا كان المسلمون قد شعروا بالإهانة، وهو لم يكن قصدنا". وقال أن الفكرة أتته بعدما ما اشتكت الكاتبة كاري بلوتغن مؤلفة كتب الأطفال من أنها تجد صعوبة في العثور على رسامين لرسم كتاب عن محمد(ص) بسبب الخوف من المتطرفين المسلمين.

12 ـ 2 ـ 2006

اليوم طالبت المملكة العربية السعودية بضرورة قيام الجهات التي نشرت الرسوم الكاريكاتورية (المسيئة للنبي محمد بالاعتذار الصريح للمسلمين ) مؤكدة أنها "جريمة لا تبررها حجة حرية التعبير".

وناشدت الخارجية السعودية في بيان لها "أجهزة الإعلام في الدول كافة الامتناع عن نشر ما يسيء للمعتقدات والمقدسات الدينية" مضيفة أنها تطالب تلك "التي نشرت هذه الرسوم بالاعتذار الصريح للمسلمين عما قامت به ولما لحق بهم من إساءة وأذى".

وأعربت عن أملها في "أن تضطلع الحكومات في الدول المعنية بواجبها في صيانة حقوق المسلمين من عدم المساس بمعتقداتهم ومقدساتهم الدينية ورد الاعتبار لهم".

وشددت الوزارة على أن "حرية التعبير تعني المسؤولية ولا يمكن أن تستخدم كذريعة لتبرير الإساءة للمقدسات والمشاعر الدينية. إن الرسوم لا تنطوي على رأي أو فكر وإنما هي مجرد إهانات وتطاول لا معنى له على شخص الرسول(ص) وتمثل إساءة بالغة لاكثر من مليار مسلم".

في غضون ذلك،عرضت تركيا لعب دور الوسيط لحل الزمة الدولية التي أعقبت نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد، وأعرب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في خطاب وجهه إلى عدد كبير من رؤساء الدول والحكومات عن رغبة أنقرة في تجنب تصعيد الخلاف من خلال هذه المبادرة. وذكرت وسائل الإعلام الماليزية أن الدنمارك طلبت الدعم من كوالالمبور من أجل احتواء الغضب المتفجر بين المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

ونقلت صحيفة (ذي ستار) عن وزير الخارجية الماليزي سيد حامد ألبار قوله إنه تلقى إتصالاً هاتفياً من نظيره الدنماركي بشأن هذه القضية.

وقال حامد ألبار أن نظيره الدنماركي "يأمل في أن تستطيع ماليزيا مساعدة بلاده على توضيح المسألة واحتواء الموقف حتى لا يخرج عن نطاق السيطرة ويؤدي لحدوث انقسام بين المسلمين وغير المسلمين"، وترأس ماليزيا حالياً منظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم 57 دولة عضواً وتعد التجمع السياسي الإسلامي الأكبر في العالم.

وقالت وزيرة الخارجية السويسرية ميشلين كالمي راي في مقابلة أجرتها معها صحيفة (زونتاغس تسايتونغ) أن "حرية التعبير وحرية الصحافة هما كنز ثمين". لكنها أضافت أنه "ليس لهما حدود قانونية فحسب بل كذلك حدود تتعلق باخلاقيات المهنة، وهو حيث تبدأ بالإساءة إلى الكرامة البشرية لأشخاص آخرين"، غير أنها في المقابل نددت بحزم بالعنف والدعوات إلى المقاطعة الموجهة ضد الدنمارك.

إلى ذلك، دعا رئيس الوزراء الدنماركي أندرس فوغ راسموسن ممثلي جمعية إسلامية جديدة تحمل اسم (المسلمون الديموقراطيون) إلى اجتماع للبحث في حل أزمة الرسوم وتنوي الجمعية شن حملة إعلانية في وسائل الإعلام العربية (لإصلاح الأضرار) التي لحقت بالدنمارك. وتواصلت التظاهرات المحتجة على الرسوم. ففي تركيا خرج عشرات الآلاف من الاتراك إلى الشوارع في ديار بكر حيث تجمع أكثر من خمسين ألف شخص في الساحة الرئيسية تلبية لنداء منظمات إسلامية، مرددين هتافات معادية للدنمارك وداعين إلى مقاطعة منتجات هذا البلد قبل أن تتفرق التظاهرة بهدوء، فيما قام نحو 150 متظاهراً برشق القنصلية الفرنسية بالحجارة والبيض في العاصمة اسطنبول.

14 ـ 2 ـ 2006

دافع رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو عن الدنمارك في قضية الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد مؤكداً أنه "لا مساومة في حرية التعبير".

وقال باروزو في حديث نشرته صحيفة (برلينغسكي تيديندي) الدنماركية "أن حرية التعبير ليست بالنسبة لنا موضع مساومة لأنها من القيم الإساسية في مجتمعنا الأوروبي المنفتح والديموقراطي".

وأكد "أنه يتفهم أن تثير هذه الرسوم استياء وسخطاً لدى العديد من المسلمين في العالم".

لكنه أضاف "أؤكد في الوقت نفسه أن مبدأ عدم اللجوء إلى العنف وحرية التعبير أمر حاسم بالنسبة للنظام الديمقراطي".

وصرح باروزو لصحيفة (بوليتيكن) (وسط يسار) إنه "يستحيل قيام بلد حر بدون صحافة حرة. المبالغة في الحرية افضل من غيابها". وأضاف "ليست السلطات التي تقرر ما يجب نشره ولا أنا. المعادلة يجب أن تأتي من الصحافة ذاتها".

على صعيد آخر، قال منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي: "إن الخلاف بشأن الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد لا ينبغي السماح له بأن يحدث انقساماً بين أوروبا والعالم الإسلامي".

ووصل سولانا إلى القاهرة قادماً من السعودية حيث أجرى محادثات مع أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي.

وعقب محادثات مع الرئيس المصري حسني مبارك قال سولانا: "على مجتمعاتنا أن تعزز الحوار وإنشاء علاقات قائمة على الاحترام والتأثر الوجداني من خلال حل عدد أكبر من المشاكل سوياً".

وتابع سولانا أن من بين الأسباب الرئيسية لزيارته لمصر "الرغبة الملحة.. لبناء جسور بين أوروبا والعالم الإسلامي".

واجتمع سولانا أيضاً بالشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر. وعقب محادثاته مع طنطاوي قال سولانا: إن شيخ الأزهر "جعل تصريحاته ذات طبيعة مفاهيمية وقلت أنني سأضع الأمور التي قالها في اعتباري".

15 ـ 2 ـ 2006

في الولايات المتحدة الأميركية تقوم أبرز وأكبر منظمة للدفاع عن الحقوق المدنية للمسلمين بحملة توعية كبيرة تحت شعار (أعرف حياة محمد) بعد التظاهرات العنيفة والجدل الذي شمل العالم بشأن الرسوم الكاريكاتورية.

وأعلن مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية عن الحملة كرد فعل إيجابي على القضية الخلافية التي آثارت العالم. وستبدأ المبادرة التي تستغرق عاماً بتوزيع كتاب مجاني بعنوان (محمد) أو قرص (دي في دي) وثائقي بعنوان (محمد ... سنة نبي) وستشتمل حملة المجلس أيضاً على أنشطة تعليمية أساسية في التجمعات الإسلامية في أنحاء أميركا الشمالية.

في غضون ذلك، تحولت الاحتجاجات المتواصلة على الرسوم الكاريكاتورية التي صورت النبي محمد إلى عنف يومي في المدن الباكستانية حيث قتل ثلاثة أشخاص وهاجم المحتجون فرعين لشركة هواتف نرويجية ومطعماً للوجبات الأميركية السريعة وبنوكاً ومصالح غربية وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع في بلدات بيشاور وعدة بلدات في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي لتفريق الحشود الغاضبة التي هاجمت فرعين لشركة تيلينور النرويجية للهواتف المحمولة وأحد منافذ سلسلة كنتاكي الأميركية للوجبات السريعة بالإضافة إلى بنوك ودور عرض سينمائي و جاءت الاحتجاجات بعد يوم واحد من مقتل شخصين في احتجاجات عنيفة في لاهور عاصمة اقليم البنجاب.

وفي اليمن اتهمت السلطات ثلاثة صحافيين بإهانة الإسلام بعد أن اغلقت صحفهم لنشر الرسوم التهكمية على النبي محمد. وطالبت النيابة بسجن الصحافيين لمدة عام أو دفع غرامة قيمتها 10000 ريال (51.10 دولاراً ).

والصحافيون الثلاثة هم محمد الاسعدي رئيس تحرير صحيفة (اليمن اوبزرفر) التي تصدر باللغة الانكليزية وأكرم صبرة مدير تحرير صحيفة (الحرية) الأسبوعية ويحيى العبد الصحافي في (الحرية) ويلاحق الإدعاء رئيس تحرير صحيفة (الرأي العام) كما العلفي.

وفي إيطاليا قال وزير الإصلاحات روبرتو كالدرولي أنه عازم على ارتداء قمصان رياضية عليها الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي وصرح كالدرولي للصحف "عندي قمصان عليها الرسوم الكارتونية التي أغضبت الإسلام و سأبدأ ارتداءها اليوم" مضيفاً: "حان الوقت لوضع نهاية لهذه الحكاية بأننا بحاجة لحوار مع هؤلاء الأشخاص"، في إشارة إلى المتطرفين الإسلاميين.

16 ـ 2 ـ 2006

اعتمد البرلمان الأوروربي قراراً يدافع عن ممارسة مسؤولة لحرية التعبير، معرباً عن تضامنه مع الصحافيين الذين أعادوا نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد(ص) في العالم العربي.

واعتبر البرلمان الأوروربي أن حرية التعبير "يجب أن تمارس دائماً ضمن الحدود التي يفرضها القانون، ويجب أن تتماشى مع المسؤولية واحترام حقوق الإنسان، إضافة إلى المشاعر والقناعات الدينية". وأعرب عن "تضامنه مع الصحافيين في الأردن ومصر والجزائر الذين أعادوا نشر الرسوم الكاريكاتورية وعلقوا عليها بشجاعة، ودان بشدة توقيفهم وطلب من حكوماتهم الإفراج عنهم".

كذلك دان البرلمان الأوروربي ردود الفعل العنيفة في العالم الإسلامي حيال نشر تلك الرسوم، وعبر عن "تأييده وتضامنه مع الدنمارك والدول الخرى التي طاولتها" تلك الردود. وشدد على أن "الدول التي شهدت أعمال عنف وتظاهرات ضد نشر الرسوم هي أمكنة تشهد في شكل منتظم انتهاكاً لحرية التعبير وحق التجمع". ودعا البرلمان إلى "العودة لمناخ من الحوار البناء والسلمي" بين الثقافات.

ورغم مرور أربعة أشهر على نشرها في الدنمارك، لا تزال الرسوم الكاريكاتورية تثير اعتراضاً واسعاً وأعمال عنف في الدول الإسلامية أسفرت حتى الآن عن سقوط 19 قتيلاً.

وخرج عشرات الآلاف من الإسلاميين الباكستانيين حاملين عصياً وملوحين بأعلام خضراء في مسيرة بمدينة كراتشي احتجاجاً. وتجمع قرابة 50 ألف شخص في مسيرة بأكبر ضاحية تجارية في المدينة الجنوبية وأحرق بعضهم صوراً للرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء الدنماركي اندرس فوغ راسموسن.

وردد المحتجون الذين اعتمروا عصبات رأس خضراء هتافات مثل (الموت للمجدفين)، فيما انتشر آلاف من رجال الشرطة وقوات الأمن لمراقبة الوضع. وتفرق المتظاهرون بسلام على النقيض من العنف الذي شهدته إسلام آباد ولاهور وبيشاور في وقت سابق هذا الأسبوع.

وغطى أحد فروع (ستي بنك) الأميركي ومكتب لشركة (سيمنز) الألمانية للهواتف المحمولة، شعاراتهما بقماش أسود، وكذلك فعل عدد من دور العرض في طريق المسيرة. وتمركز جنود مسلحون على أسطح المباني وجوانب الطرق.

 وحض قائد المسيرة المفتي منيب الرحمن المشاركين على التزام الهدوء، لكنه دعا الحكومة الباكستانية إلى قطع العلاقات مع الدول الأوروبية التي نشرت فيها الرسوم. وأضاف "على الحكومة أن تسحب سفراءها وتطرد سفراء هذه الدول".

وفي موسكو، طلب وزير الثقافة الروسي الكسندر سوكولوف من وسائل الإعلام المحلية الامتناع عن نشر ما قد يسيء إلى المشعر الدينية، وقال في تصريح نقلته وكالة (ريا نوفوستي) أن "هذه الأعمال المتهورة التي أثارت ضجة إعلامية في الغرب يجب أن لا تتكرر ويجب تجنبها في بلادنا".

وأكد سوكولوف أن الحكومة مستعدة لفرض عقوبات على المنشورات التي لا تحترم هذه التوصية ويمكن أن تصل إلى حد سحب ترخيصها. وأضاف "هذا يشكل تذكيراً وليس عملاً ديكتاتورياً، والمبادرة يجب أن تأتي من الدوائر التي تحضر فيها النصوص وحيث تتخذ قرارات التحرير".

وفي وارسو، أعلن النائب العام البولندي يانوش كاجمارك أن النيابة فتحت تحقيقاً حول أعادة صحف يمينية نشر الرسوم الكاريكاتورية وصوراً مركبة للمغنية مادونا والعذراء مريم، معتبراً ذلك جريمة. وفي كلمة أمام النواب تحدث كاجمارك عن "الإساءة إلى المشاعر الدينية" في بولندا، مؤكداً أنه لا يمكن القيام بملاحقات قضائية إلا إذا كانت "هناك نية إساءة مباشرة".

17 ـ 2 ـ 2006

أغلقت سفارة الدنمارك في إسلام آباد أبوابها ، في حين قررت باكستان استدعاء سفيرها في كوبنهاغن وتواصلت التظاهرات في باكستان احتجاجاً على نشر رسوم كاريكاتورية تتناول النبي محمد(ص).

وجاء في رسالة مسجلة على هاتف السفارة الدنماركية أن "السفارة مغلقة مؤقتاً حتى إشعار آخر". وقال السفير بانت فيغوتسكي الذي لا يزال في اسلام آباد، أنه ليس هناك قطع للعلاقات وأنه سيبقى في مكان آمن في باكستان.

واستدعي فيغوتسكي مع رؤساء البعثات الديبلوماسية الأوروبية الآخرين إلى وزارة الخارجية الباكستانية، التي أعلنت في بيان أنها استدعت سفيرها في الدنمارك جواد قريشي (للتشاور)، بدون إضافة أي تفاصيل. وأوضحت المتحدثة باسم الوزارة تسنيم اسلام أن استدعاء الديبلوماسي على علاقة بالرسوم التي نشرت للمرة الأولى في أيلول في صحيفة (ييلاندس بوستن) الدنماركية.

من جهة ثانية، اعتقلت الحكومة الباكستانية خواجا سعد رفيق، أحد قادة حزب (الرابطة الإسلامية) الذي يتزعمه رئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف بحجة صلته بأحداث العنف التي شهدتها مدينة لاهور قبل يومين وراح ضحيتها ستة باكستانيين. واتهمت السلطات في إقليم البنجاب رفيق بالتحريض على العنف.

وحسب المصادر الأمنية فقد بلغ عدد المعتقلين في صفوف المحتجين على الرسوم أكثر من 125 شخصاً، بينما أعلنت الحكومة المركزية تعطيل الدراسة في المدارس والجامعات مدة أسبوع كامل للحيلولة دون مشاركة أعداد متزايدة من الطلبة الباكستانيين في التظاهرات.

وفي كوبنهاغن، رأى معظم الدنماركيين أن أداء رئيس الوزراء اندرس فوغ راسموسن يتراوح بين الجيد والمتوسط في التعامل مع أزمة الرسومن وأظهرت نتائج استطلاع أجراه معهد (غرينز) للأبحاث انقسام آراء غالبية الدنماركيين في هذا لاصدد إذ يرى 41.5 في المئة منهم أن راسموس تعامل مع الأزمة بشكل جيد فيما يعتقد 40 بالمئة أن أداءه كان متوسطاً.

وكشف الاستطلاع الذي شمل 1037 شخصاً أن نحو 16 في المئة لا يوافقون على الطريقة التي تعامل بها راسموسن مع الأزمة التي تفجرت الشهر الماضي. وأظهر أن حزب (الأحرار) الذي يقوده رئيس الوزراء سيحصل على 30.1 في المئة من أصوات الناخبين إذا أجريت الانتخابات اليوم وهي أعلى بنسبة 1.2 في المئة مقارنة مع استطلاع أجري بداية الشهر الجاري.

وفي كركوك (العراق) تظاهر آلاف الأشخاص في وسط المدينة بعد صلاة الجمعة استنكاراً لنشر الرسوم، وطالبوا برحيل القوات الدنماركية عن العراق، واحرقوا العلم الدنماركي.

وفي هونغ كونغ، ردد نحو ألفي شخص من الجالية المسلمة هتافات ولوحوا بلافتات خلال أول المسيرة من نوعها ينظمها مسلمون في المدينة الصينية منذ سنوات. وقال المنظمون أن الجالية شعرت بالإهانة نتيجة للرسوم.

وانتقد كثير من المتظاهرين أعمال العنف التي استمرت أسابيع بما في ذلك الهجمات على سفارات الدنمارك ودول أوروبية أخرى في سورية ولبنان وإيران وباكستان وأندونيسيا. وقال سيد عاصم من منتدى حقوق الإنسان الدولي وهو أحد الهيئات المنظمة للمسيرة، أن "مشاعر المسلمين تعرضت لإيذاء مروع". وأضاف "نحن نؤمن بالنبي محمد(ص) ونحترمه أكثر من عائلاتنا أو أي شيء آخر".

وفي باريس، دعت منظمة (مراسلون بلا حدود) إلى إطلاق سراح سبعة صحافيين سجنوا في بلدان عربية بسبب إعادة نشر الرسوم الساخرة، وقالت أن 12 صحافياً على الأقل يخضعون للمحاكمة في خمس دول بسبب نشر الرسوم بينهم سبعة سجنوا بالفعل في كل من الجزائر وسورية واليمن.

وفي طهران، قام عشرات الإيرانيين الذين ينتمون إلى الأقلية السنية بإحراق صليب أمام السفارة الدنماركية احتجاجاًعلى الرسوم. وتجمع قرابة 150 شخصاً أمام السفارةالتي كانت عرضة لهجمات عدة في السابق، رافعين لافتات كتب عليها (الله أكبر)، وهتفوا (الموت للدنمارك). وجرت التظاهرة بهدوء خلافاً للتجمعات السابقة التي ألقى خلالها المتظاهرون زجاجات حارقة وحجارة على المبنى.

على محور آخر أكد أسقف دنماركي أن الرسوم المسيئة للرسول الكريم لا تعبر عن التعايش بين المسلمين والمسيحيين في بلاده.

وقال أسقف كوبنهاغن كريستن نيسان الذي وصل إلى القاهرة على رأس وفد دنماركي لبحث احتواء الأزمة التي سببتها نشر صحيفة دنماركية لهذه الرسوم في شهر أيلول الماضي ثم أعادت عدة صحف أوروبية نشرها أننا ضد الإساءة للإديان.

 وأضاف أن هدف الوفد الذي يمثل الكنائس الإنجيلية والبروتستانتية الدنماركية من الزيارة هو إعلان التضامن مع جموع المسلمين في استنكار هذه الرسوم.

وذكر أن الوفد الذي يلتقي شيخ الأزهر الشيخ محمد سيد طنطاوي ووزير الأوقاف المصري محمود حمدي زقزوق سيعمل على تخفيف التوتر في الدول الإسلامية الناجم عن نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد(ص) خصوصاً في أوروبا.

وكانت شخصيات عدة في مصر قد دعت إلى مقاطعة السلع الدنماركية.

وأضاف نيسان أن هذه الزيارة للقاهرة تهدف إظهار مدى احترامنا للمسلمين في العالم وتظهر مدى حرصنا على مواصلة الحوار مع العالم الإسلامي معرباً عن أمله بأن يكون الموقف المصري مساعداً في مواصلة علاقات الصداقة الجيدة التي تربط الدنمارك بالعالم الإسلامي.

وفي روسيا أثارت فضيحة تعتبر الأولى من نوعها بعد الإشكاليات المحيطة بالرسوم الكاريكاتورية المسيئة للإسلام ضجة إعلامية حقيقية حيث نشرت إحدى الصحف الروسية وهي (أخبار المدينة) في إقليم فولغاغراد رسماً كاريكاتورياً يمثل الأنبياء سلام الله عليهم، بالإضافة إلى (بوذا) ينظرون إلى شاشة تلفاز تظهر العنف الذي رافق إشكالية الرسوم الكاريكاتورية في العالم ويقولون "نحن لم نعلمكم ذلك".!!

وقامت السلطات المختصة في الإقليم الروسي بإغلاق هذه الصحيفة بتهمة اللعب على أوتار الخلافات الدينية، وذلك حسب تعبير المسؤولين لمنع أية خلافات قومية أو دينية على الرغم من أن هذه الصحيفة هي في الوقت نفسه دائرة النشر الرسمية لوثائق الجهات الحكومية المختصة في المدينة، وأن إغلاق الصحيفة هوالحل الوحيد في الوقت الحالي حيث تثار حول قضايا الرسوم الكاريكاتورية الدينية ضجة عالمية.

المثير أن مصادر هيئة التحرير في هذه الجريدة أعربت عن استغرابها وامتعاضها لقرار الجهات المختصة بإغلاق الصحيفة مشيرة إلى أن الرسوم التي تم نشرها لا تسيء إلى أحد بل العكس من ذلك فهي حسب تعبير مصادر الصحيفة تحاول التذكير بأن الديانات تدعوا إلى نبذ العنف و الابتعاد عن الخلافات.

نذكر أخيراً إلى أن موسكو انتقدت بشدة الرسوم الكاريكاتورية التي تسئ إلى مشاعر المسلمين وشدد الرئيس الروسي بوتن على أن حرية التعبير يجب أن تكون حرية مسؤولة لا تمس مشاعر المؤمنين.

أما في فرنسا فقد اعلنت صحيفة (شارلي أبدو) الأسبوعية عن استعدادها لنشر الرسوم الكاريكاتورية التي ستنشر في إيران عن الهولوكوست (المحرقة) لتكون أول صحيفة غربية تعلن استعدادها عن نشر هذه الرسوم.

غير أن ذلك لن يدعم على الأرجح من موقفها أمام القضاء الفرنسي في حال تمت ملاحقاتها قضائياً بعد أن أعادت نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول خاصة وأنها كانت قد استبقت نتائج التحقيقات في الاعتداء الوهمي على سيدة المترو الفرنسية بتخصيص صفحتها الأولى بالكامل لكاريكاتور أظهرت فيه العرب والأفارقة المسلمين وكأنهم وحوش يوسعون الشابة الفرنسية ضرباً حتى أغشي عليها في أرضية أحدى عربات مترو ضواحي باريس.

وصرح فيليب فال مدير تحرير (شارلي أبدو) أن صحيفته ستقوم بنشر صور مسابقة الرسوم الكاريكاتورية التي ستنظم في إيران بخصوص المحرقة مشيراً إلى أنه لن ينشر هذه الصور إيماناً بحرية التعبير لكنه سينشرها للتصدي للمنكرين للمحرقة التي لقي فيها 6 ملايين يهودي مصرعهم. وفقاً لليهود.

وكانت صحيفة (شارلي أبدو) قد قامت في 8 شباط بإعادة نشر الصور المسيئة للرسول(ص) بزعم حرية التعبير لتكون ثاني صحيفة فرنسية تنشر هذه الصور بعد صحيفة (فرانس سوار) الذي قرر مالكها رامي لكح رجل الأعمال المصري الفرنسي فصل رئيس تحريرها اثر قيامه بنشر هذه الصور المسيئة للرسول.

يذكر أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك كان قد دان ما نشرته صحيفة شارلي أبدو.

وكانت سيدة فرنسية شابة تبلغ من العمر 22 عاماً قد زعمت في آب عام 2004 أن 6 شبان عرب وأفارقة قد أوسعوها ضرباً هي ورضيعتها حيث قاموا بقص شعرها بالسكاكين وتمزيق ملابسها وضربها باللكمات في إحدى عربات مترو ضواحي باريس بعد أن اعتقدوا أنها يهودية الديانة. وقد أظهرت الحقيقات التي أجرتها الشرطة الفرنسية أن هذه السيدة اختلقت قصة هذا الاعدتاء الوهمي لإلصاق التهمة بالعرب والأفارقة في فرنسا.

وكانت محكمة جنح باريس قد حكمت على السيدة الشابة بالسجن لمدة عامين مع ايقاف التنفيذ وغرامة قدرها 5 آلاف يورو. وكان صحيفة شارلي ابدو قد نشرت رسماً كاريكاتوريا على كامل صفحتها الاولى قبل انتهاء التحقيقات الخاصة بسيدة المترو أظهرت فيها العرب والافارقة وكأنهم وحوش كاسرة عديموا الرحمة وهم يضربون بعنف وقسوة الشابة ورضيعتها حتى سقطا على أرض عربة المترو فاقدتي الوعي والدماء تسيل منهما فيما رسمت الركاب الفرنسيين في صورة أرانب لا يسمعون ولا يرون كناية عن جبنهم لعدم تحركهم لاغاثة الشابة ورضيعتها، مثلما فعل الشعب الفرنسي عندما اضطهد هتلر اليهود خلال فترة الحرب العالمية الثانية.

ورغم سلسة الاعتذارات التي تقدمت بها المنظمات والصحف الفرنسية التي استبقت نتائج التحقيقات في قصة سيدة المترو الا أن شارلي أبدو لم تبد أي ندم او أسف رغم أنها كانت الأكثر قسوة على الشباب العربي والأفريقي المسلم الذي برأته التحقيقات من أي اعتداء.

والسؤال الآن هل سينزل القضاء الفرنسي عقوبة أكثر قسوة على أسبوعية شارلي أبدو بوصفها صحيفة ذات سوابق غير جديرة بالاحترام مع الجالية العربية والإسلامية في حال تمت ملاحقتها قضائياً في فرنسا بعد قيامها بإعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول أم ستمر الأمور عليها دون عقاب كما حدث في قصة الإعتداء الوهمي على سيدة المترو.

الحدث الأكبر كان في ليبيا حيث أعلن أن حصيلة المظاهرات العنيفة في مدينة بنغازي الليبية بلغت 11 وجرح 35 بينما أطاحت الأزمة بوزير إيطالي. وجاءت هذه التطورات عقب استخدام الشرطة الليبية القوة للتصدي إلى المتظاهرين أمام القنصلية الإيطالية احتجاجاً على الرسوم المسيئة للرسول والتي ظهرت على قميص ارتداه وزير الإصلاح الأيطالي روبرتو كالديرولي الذي أعلن استقالته. وبينما استمرت التظاهرات ضد الإساءة إلى الإسلام، أعلن وفد من رؤساء كنائس الدنمارك في القاهرة أن نشر الرسوم في الصحيفة الدنماركية في بادئ المر كان (خطأ مهنياً) ونصحت المسلمين باللجوء إلى القضاء لمعالجة الموقف.

وقدم وزير الإصلاح الإيطالي كالديرولي استقالته من منصبه بعد أن ألقي عليه باللوم في الإشتباكات الدامية في ليبيا بسبب الرسوم التي طبعها الوزير على قميص وارتداه على شاشات التلفزيون الحكومي.

وفي طرابلس، أقال مؤتمر الشعب العام في ليبيا أعلى سلطة تشريعية وتنفيذية في البلاد وزير الداخلية ناصر المبروك عبد الله وقادة جهاز الشرطة في بنغازي، معتبراً أن الشرطة استخدمت (قوة غير متناسبة) لتفرقة المحتجين الذين حاولوا اقتحام القنصلية الإيطالية. ووصف المؤتمر القتلى بأنهم (شهداء).

وقال البرلمان الليبي في بيان رسمي أن أمانة مؤتمر الشعب "تقدم تعازيها لعائلات الضحايا، وتطلب من الجميع مراعاة مصالح الوطن، وهي إذ تتعاطف مع أسر الشهداء تقرر إيقاف أمين اللجنة الشعبية العامة للأمن العام عن العمل، وتحيل أمين الأمن العام في بنغازي، وجميع المتورطين في هذه الجريمة للتحقيق والقضاء".

وأظهرت لقطات بثها التلفزيون الرسمي الليبي عدداً من السيارات المحترقة بجوار القنصلية الإيطالية بينما تحدثت مصادر دبلوماسية غربية عن قيام السلطات الليبية باعتقال مائة شخص على خلفية هذه الأحداث.

ومن جهته، أعلن سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الليبي معمر القذافي لوكالة الصحافة الفرنسية أن 11 شخصاً، بينهم أربعة مصريين وفلسطينيين، قتلوا فيما أصيب 35 آخرون بجروح في التظاهرة العنيفة. واعتبر سيف الإسلام أن "عدم التدريب الكافي للشرطة الليبية في مواجهة أحداث مثل التي حدثت في بنغازي كان وراء هذه الكارثة". وأوضح أن "حرق القنصلية كان خطأ واستعمال القوة بأفراط من قبل الشرطة كان ايضاً خطأ". وتابع: "من حق الناس أن تغضب على قتلاها وأن يجري تحقيق شامل وأن يطالب الأسر بالتعويض". ورأى أن "المتظاهرين الليبيين الغاضبون هم من أسقط الوزير الإيطالي".

وقال مصدر في السفارة الإيطالية لوكالة الصحافة الفرنسية إن السفير الإيطالي في طرابلس فرانشيسكو تريبيانو اجتمع مع وزير الخارجية الليبي عبد الرحمن شلقم الذي أكد للسفير أن هذه القضية لن يكون لها "أي تأثير سلبي على العلاقات الديبلوماسية الليبية الإيطالية".

ومن جانبه، دعا الدكتور علي جمعة مفتي مصر الأمم المتحدة إلى إصدار تشريع دولي لمنع الإساءة إلى الأديان أو إزدرائها ويؤكد احترام المقدسات والمشاعر الدينية لأصحاب العقائد المختلفة. وقال جمعة أن المسلمين لا يطلبون الاعتذار ممن أساؤوا إلى دينهم فسحب، وإنما يطالبون أيضاً بضرورة تغيير مناهج التعليم التي تشوه صورة الإسلام والمسلمين في أذهان الأطفال في الغرب وتزكي مشاعر الكراهية والتعصب ضد الإسلام.

هذا وقد تظاهر مسلمون في العاصمة البريطانية لندن ضد التعرض إلى الإسلام واحتجوا على الرسوم المسيئة. وقدرت الشرطة البريطانية عدد المشاركين بالمظاهرة بحوالي 10 ألف متظاهر، وشهدت لندن أكبر مظاهرة بينما سارت مظاهرات مماثلة في نيويورك ونيودلهي ودويسبرغ (المانيا) ومانيلا، بالإضافة إلى مدن عراقية بينها النجف، من دون وقوع أية حوادث. إلا أن مظاهرة في باكستان أدت إلى جرح أربعة عندما فتحت قوات حفظ الأمن النار على متظاهرين كانوا يحاولون أحراق مصارف ومبان أخرى في شينيو شرق البلاد، وفق ما أفادت الشرطة. و حظرت باكستان تنظيم مظاهرات في العاصمة اسلام آباد مع تزايد الاحتجاجات على الرسوم المسيئة.

18 ـ 2 ـ 2006

عاد الهدوء المشوب بالحذر إلى بنغازي، بعد المواجهات التي وقعت فيها بين متظاهرين اقتحموا القنصلية الإيطالية وقوات الأمن التي تصدت لهم، ما أسفر عن سقوط ما لا يقل عن 11 قتيلاً.

وأشارت (وكالة الجماهيرية للأنباء) الرسمية إلى أن الحادث جرى عندما توجه جمع من المتظاهرين الغاضبين إلى القنصلية الإيطالية واقتحموها على رغم محاولات الشرطة منعهم واشعلوا النار في الطابق الأرضي منها وأحرقوا سيارات كانت متوقفة إلى جانبها، ما دفع بالشرطة إلى "الاشتباك معهم وإيقاع إصابات بين المقتحمين أدت إلى وفاة عدد منهم". ولم توضح الوكالة ما إذا كانت الشرطة استخدمت أسلحة نارية خلال تصديها للمتظاهرين.

وأشارت إذاعة (الجماهيرية) الرسمية في نشرتها إلى الحادث من دون أن تحدد عدد الوفيات الناجمة عنه، لكن مصادر غير رسمية قدرتها بـ 11 حالة.

وذكرت الإذاعة أن (القيادة الشعبية الاجتماعية الليبية) كلفت النائب العام تشكيل لجنة للتحقيق "في الطريقة التي تعاملت بها الشرطة مع هذا الحادث".

ونقلت وكالة الجماهيرية عن (القيادة الشعبية الاجتماعية) في بنغازي "إدانتها الشديدة لما قام به هؤلاء الأشخاص (المتظاهرون) من عمل غير مسؤول لا يعبر عن أخلاقيات الشعب الليبي وسلوكه المتحضر وموقفه الصارم من هذه الإساءات للنبي محمد(ص)".

يُشار إلى أن المدن الليبية تشهد منذ نشر الرسوم المسيئة للرسول تظاهرات تندد بهذه الإساءة. كما أغلقت ليبيا سفارتها في كوبنهاغن في هذا الإطار أيضاً.

وقال زعيم (الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا) إبراهيم صهد، أن التظاهرة أنطلقت بعد صلاة الجمعة في ثلاثة مساجد قرب القنصلية الإيطالية في الحي القديم في بنغازي، وأن بعض المتظاهرين ردد شعارات تنتقد مواقف السلطات وتثير قضية الأطفال الليبيين المصابين بالإيدز في بنغازي. وأضاف أن الشرطة طلبت الاستعانة بقوات الأمن (قوات الردع) التي اصطدمت مع المتظاهرين. وقال أن ثلاثة من القتلى هم رجال أمن والبقية من المتظاهرين، وأن عشرات الجرحى نُقلوا إلى مستشفى الجلاء في بنغازي. ونقلت (فرانس برس) عن ديبلوماسي إيطالي أن حزاماً أمنياً كان لا يزال مفروضاً في محيط القنصلية. وذكرت أن الشرطة استخدمت في البداية الغاز المسيل للدموع ومن ثم أطلقت الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين. وقال مصدر في السفارة الإيطالية لـ (فرانس برس) أن السفير الإيطالي في طرابلس فرانشيسكو تريبيانو اجتمع مع وزير الخارجية الليبي عبد الرحمن شلقم الذي أكد للسفير أن هذه القضية لن يكون لها "أي تأثير سلبي على العلاقات الديبلوماسية الليبية الإيطالية".

وفي روما، أوردت (فرانس برس) أن وزير الإصلاح الإيطالي روبرتو كالديرولي أستجاب للدعوات الموجهة إليه وأعلن استقالته. إلا أنه لا يتوقع أن يغيب عن الساحة بهدوء.

ميدانياً وفي باكستان، جُرح أربعة أشخاص عندما أطلقت الشرطة النار على تظاهرة مناهضة لنشر الرسوم في وسط باكستان. وأوضح مسؤول في الشرطة المحلية أن إطلاق النار وقع عندما رجم متظاهرون رجال الشرطة بالحجارة، وحاولوا إغلاق طريق في بلدة شينيوت في إقليم البنجاب، لافتاً إلى أن مصدر النيران غير واضح.

وفي العراق، تجددت التظاهرات في عدد من المدن استنكاراً لنشر الرسوم. ففي النجف، تظاهر مئات من أهالي المدينة منددين بنشر الرسوم، وطالبوا في هتافاتهم واللافتات التي حملوها بـ (مقاطعة الدنمارك ديبلوماسياً واقتصادياً).

وفي بلدة برطلة (شرق الموصل)، خرج مئات من أهالي الناحية رافعين أعلاماً عراقية ورايات إسلامية في تظاهرة طاقت شوارع البلدة استنكاراً لنشر الرسوم. كما تظاهر مئات من أنصار (حزب الفضيلة) الشيعي في العمارة احتجاجاً على نشر الرسوم.

وفي لندن، تظاهر آلاف المسلمين للمرة الثالثة في وسط العاصمة احتجاجاً على نشر الرسوم، مطالبين باعتذار كامل من الحكومة الدنماركية، وبسن قوانين تحظر المس بالأديان.

20 ـ 2 ـ 2006

أكدت المملكة العربية السعودية أنها تتابع بأهتمام ما صدر عن الجهات الدنماركية من اعتذار وأسف عميق لنشر الرسوم. وقال وزير الثقافة والإعلام إياد بن أمين مدني في تصريح إلى (وكالة الأنباء السعودية ) عقب جلسة مجلس الوزراء "أن المجلس تابع بأهتمام ما صدر من جهات دنماركية عدة، حول ما نشر من رسوم مسيئة لشخص خاتم الأنبياء والمرسلين".

وفي الفاتيكان، اعتبر البابا بنديكتوس السادس عشر أنه "أمر ضروري وملح أن يتم احترام الأديان ورموزها"، وقال خلال استقباله السفير المغربي الجديد لدى الفاتيكان علي عاشور "في الإطار الدولي الذي نعرفه حالياً فإن الكنيسة الكاثوليكية لا تزال مقتنعة بأنه أمر ضروري وملح أن يتم احترام الأديان ورموزها وأن لا يتعرض المؤمنون لاستفزازات تضر بمسيرتهم ومشاعرهم الدينية، من أجل تسهيل نشر السلام والتفاهم بين الشعوب والناس".

وهي المرة الأولى التي يدلي فيها البابا بموقف مباشر منذ نشر الرسوم الكاريكاتورية في صحف عدة وبعد يومين من تظاهرات عنيفة في ليبيا ونيجيريا اسفرت عن مقتل العشرات.

لكن بنديكتوس السادس عشر قال أن "عدم التسامح والعنف لا يمكن أبداً تبريرهما كرد على الإهانات لأنهما لا يشكلان رداً يتلاءم مع المبادئ المقدسة للدين". وندد البابا الألماني أيضاً "بأفعال من يفيدون عمداً من إهانة المشاعر الدينية لأرتكاب أعمال عنف، لا سيما أن هذا الأمر يتم لغايات غريبة عن الدين".

ومن جهتها، دانت الدنمارك والنرويج عرض رجال دين باكستانيين مكافأة لمن يقتل أياً من رسامي الكاريكاتور الذين رسموا الصور المسيئة إلى النبي محمد(ص) وعددهم 12 رساماً ووصف البلدان تلك الخطوة بأنها جريمة.

وقال وزير الخارجية الدنماركي بير ستيغ مولر في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره النرويجي يوناس جار شتور (أنه قتل.. والقتل محرم أيضاً في القرآن). وأبدى الوزير النرويجي تأييده لهذا التصريح.

في هذا الوقت، طالبت معارضة الوسط واليمين في البرلمان الدنماركي بتحقيق مستقل في دور الحكومة في قضية الرسوم الكاريكاتورية. وقال فرانك إين المتحدث بأسم لائحة الاتحاد (شيوعيون سابقون) أحد أحزاب المعارضة الأربعة أن "رئيس الوزراء (اندرس فوغ راسموسن) يؤكد أنه لم يقم بشيء يلام عليه ويلقي بالمسؤولية الكبرى في الأزمة على أئمة الدنمارك، وهو أمر بعيد عن الحقيقة". ورأى أن "الحكومة تتحمل المسؤولية الكبرى إذ فسرت بشكل خاطئ رسالة وجهها 11 سفيراً مسلماً في تشرين الأول الماضي للاحتجاج على هذه الرسوم، وقللت من أهمية التحذيرات المصرية المتكررة منذ الخريف الماضي ولزمت الصمت بشأنها".

وطالب المتحدث رئيس الحكومة بتوضيحات خطية، وساندته في هذا المطلب أحزاب المعارضة الأخرى (راديكالي واجتماعي ديموقراطي واشتراكي) التي طالبت أيضاً بتحقيق بعد أن تخمد أزمة الرسوم.

وقالت ماريان يلفيد زعيمة الحزب الراديكالي "هذا التحقيق ضروري لأن ثمة نقاط غموض كثيرة. رئيس الحكومة نفسه يقول أنه أكبر تحد واجهته الدنمارك منذ فترة ما بعد الحرب. ومن الطبيعي بالتالي أن نعرف لماذا اندلعت هذه الأزمة الخطيرة".

وانتقدت راسموسن الذي "عرض على الرأي العام الدنماركي تفسيراً منحازاً جداً من طرف واحد لرسالة السفراء الـ 11 الذين لم يحتجوا فقط على الرسوم بل كذلك على الأجواء المعادية للإسلام المخيمة في الدنمارك"، في إشارة إلى تصريحات أدلى بها نواب عن (حزب الشعب) ووزير الثقافة براين ميكلسن (محافظ).

وفي نيجيريا حظرت ولاية غومبي تظاهرة كانت مقررة احتجاجاً على نشر الرسوم الكاريكاتورية، في حين ندد المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في نيجيرا، بالمتظاهرين الذين هاجموا السبت مسيحيين وقتلوا 15 شخصاً خلال تظاهرات احتجاج.

وقال اتيكو يوسف رئيس شرطة غومبي "لن نسمح بالتظاهرة المقررة ضد الرسوم الدنماركية". وأضاف أن هذا الإجراء (لمصلحة السلام)، مشيراً إلى وجوب "إيجاد تسوية بشأن حرية التعبير والتجمع عندما يكون السلم الأهلي مهدداً". وأوضح "لقد نشرنا عناصرنا في كل أنحاء المدينة لضمان عدم قيام أحد بتعكير الهدوء وإثارة المشاكل".

 من جهته، ندد لطيف اديغبايت الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في نيجيريا، أكبر منظمة إسلامية في البلاد، بالعنف الذي ساد تظاهرات احتجاج على الرسوم السبت حيث هاجم المتظاهرون كنائس ومتاجر يملكها مسيحيون وقاموا بتحطيمها وإحراقها. وقتل 15 شخصاً في أعمال الشغب هذه.

وقال أديغبايت أن "التعرض لارواح بريئة وتدمير ممتلكات هو عمل معادي للإسلام. أن الأشخاص من غير المسلمين في نيجيريا ليس لهم أية علاقة بنشر الرسوم". وأضاف "ندعو المسيحيين إلى الحفاظ على هدوئهم وأن لا يحاولوا الانتقام من هذا الحادث المؤسف. اعتبروا ما حصل عملاً طائشاً قام به مسلمون احتجاجاً على التعرض لمبادئ الإسلام".

وفي إسلام آباد، أطلق سراح قاضي حسين أحمد، زعيم (مجلس العمل المتحد) الذي يضم ستة تنظيمات إسلامية، بعد يوم من الإقامة الجبرية، و تعهد في الحال بأن يوسع الحملة ضد الرسوم لتستهدف رئيسي باكستان والولايات المتحدة.

واحتجز أحمد في لاهور في مطلع الأسبوع لمنعه من قيادة تظاهرة في العاصمة أسلام آباد. وبعدما ترأس اجتماعاً للمجلس وصف نشر الرسوم في أوروبا بأنها "جزء من صدام الحضارات الذي يقوده (الرئيس الأميركي جورج) بوش". واضاف في مؤتمر صحافي "ولذا فإن حركتنا هي ضد بوش وايضاً ضد موش"، في اشارة إلى الرئيس الباكستاني برويز مشرف.

وقال الأمين العام للمجلس فضل الرحمن إن التحالف خطط لاحتجاج في كل أنحاء البلاد الجمعة المقبل وآخر في لاهور الأحد وإضراب عام في انحاء البلاد كافة في الثالث من آذار. وأضاف إنه ستنظم احتجاجات اخرى في الخ من الشهر المقبل في كراتشي العاصمة التجارية للبلاد وفي السابع منه في كويتا عاصمة اقليم بلوخستان المضطرب في جنوب غرب البلاد.

وفي جلال آباد، تظاهر مئات الطلبة الافغان ورددوا هتفات مؤيدة لزعيم تنظيم (القاعدة) اسامة بن لادن وهددوا بالانضمام إلى تنظيمة إذا ما أسيء إلى الاسلام ثانية.

وقتل عشرة أشخاص على الاقل خلال ايام عدة من الاحتجاجات في افغانستان منذ اسبوعين ولكن التظاهرات تلاشت إلى حد كبير بعد ذلك.

وفي روما، اعتبر رئيس الجامعة البابوية المونسنيور رينو فيسيتشيلا ان صمت الدول والمنظمات الدولية حيال اعمال العنف ضد المسيحيين التي وقعت السبت في نيجيريا (غير مقبول). وتساءل المفكر الايطالي القريب من الفاتيكان في حديث إلى صحيفة (كورييري ديلا سيرا) قائلا "ماذا تفعل الجامعة العربية والأتحاد الأوروبي والأمم المتحدة"؟.

25 ـ 2 ـ 2006

أصدر اجتماع وزاري شارك فيه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان في الدوحة بياناً عبر عن أسف الأمم المتحدة والدول المشاركة وهي قطر وتركيا وأسبانيا والأمين العام للجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، للإساءة البالغة التي وجهت إلى النبي محمد(ص) والمسلمين، كما عبر عن الأسف لفقدان أرواح كثيرة بسبب ذلك.

وأكد البيان الذي تلاه أنان "التزام حق التعبير، وناشد الجميع ممارسته بروح المسؤولية وأن لا يتخذ ذريعة لنشر الكراهية أو الأهانة للأديان"، كما أكد "حق الاحتجاج السلمي عندما يكون هناك شعور بالإساءة البالغة" ونوه بالمحتجين بشكل سلمي، مشدداً على عدم المبالغة في التحريض والعنف، ودعا البيان إلى الحوار حتى يتم حل الخلافات ويتم تجاوز أزمة غياب الثقة.

وأكد ممثلوا الدول والمنظمات المشاركة في الاجتماع "دعم حقوق الإنسان والتزام حكم القانون"، كما دعوا إلى "عدم إشاعة الكراهية من خلال الأعلام والمساجد". وكشف أنان وجود نية لوضع استراتيجية وخطوات عملية لتجاوز الأزمة الحالية.

وقال النائب الأول لرئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني في مؤتمر صحافي أن "البيان تضمن آلية ستعرض على الجمعية العامة ومجلس الأمن، وتعهدنا بمتابعة هذا الموضوع للتوصل إلى طريقة تؤدي لتجنب الحساسية وزج الأديان في مهاترات لن تؤدي إلى النتائج المرجوة في شأن تضارب العالم بمختلف أديانه".

ودعا الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إلى حل المشكلة الفلسطينية واعتبرها سبب حال التوتر الموجود في المنطقة وسبب تصدع النظام العالمين وقال موسى أن المجموعة التي اجتمعت في الدوحة ملتزمة درس صياغة الاستراتيجية وإجراءات محددة لمواجهة أزمة الرسوم الحالية ولمنع تكرارها.

1 ـ 3 ـ 2006

نشرت مجلة (أي يور) التابعة لمعهد الصحافة في الدنمارك تحقيقاً حول الرسوم الكاريكاتورية التي صوّرت النبي محمد(ص) وكانت صحيفة (ييلاندس بوستن) الدنماركية أول صحيفة تنشرها، أظهر أن الرسوم المثيرة للجدل نشرت في 143 صحيفة من 56 بلداً حول العالم بينها ثماني دول إسلامية.

وأفادت (أي يور) أن هذه الصحف أعادت نشر رسم و احد أو أكثر من الرسوم الأثني عشر في نشراتها المطبوعة وخصوصاً على شبكة الانترنت. وأوضحت أن مواقع الصحف الإلكترونية على اختلاف أشكالها وكذلك المواقع الشخصية بما فيها المجهولة الهوية مثل (ساندمونكي) في مصر نشرت هذه الرسوم. وسجل أكبر عدد من إعادة نشر الرسوم في الدول الغربية مثل أوروبا (70) والولايات المتحدة (14) وكندا (31) واستراليا (2) ونيوزيلندا (3) واليابان (1).

كذلك نشرت الرسوم في ثماني دول إسلامية هي الجزائر ومصر والأردن والسعودية والمغرب وماليزيا واندونيسيا والبوسنة والهرسك.
وأفادت هذه الدراسة التي أجريت خلال شهر شباط الماضي أن في الولايات المتحدة ورغم امتناع الصحف الوطنية عن نشر الرسوم الكاريكاتورية، أقدمت 14 صحيفة أقليمية أو محلية على نشرها.

وفي دمشق، أكد سفير الدنمارك أولي ايكبيرغ خلال زيارة قام بها إلى مجمع الشيخ أحمد كفتارو "احترام بلاده حكومة وشعباً الإسلام والمسلمين ومقدساتهم" لافتاً إلى "تصميم الدنمارك على بناء جسور التواصل والحوار مع العالم الإسلامي واحترامها للمشاعر الدينية ومقدسات المسلمين".

بدوره أشاد مدير عام المجمع الدكتور صلاح الدين كفتارو إلى أن "الإسلام يدعو إلى السلام والعدل واحترام الاخر وتكامل الحضارات" مؤكداً أن "المسلمين يتفهمون قيمة الحرية في التفكير والتعبير لكنهم يميزون بين الحرية وبين الإساءة للآخرين والمساس برموزهم ومقدساتهم".

21 ـ 3 ـ 2006

قدمت الكنيسة الأنغليكانية في ويلز اعتذاراً إلى المسلمين بعد أن نشرت في مجلتها التي تصدر باللغة المحلية للمقاطعة بعض الرسوم الدنماركية المسيئة.

وأصدرت الكنيسة في ويلز أوامرها على الفور بسحب كل النسخ الصادرة من المجلة، وذكرت أن الرسوم التي نشرتها كانت عبارة عن إعادة طبع لبعض هذه الرسوم التي نشرتها صحيفة (فرانس سوار) الفرنسية ولكن الكنيسة أوضحت انها كانت تقصد من إعادة نشر هذه المجموعة المعينة من الرسوم التأكيد على التراث المشترك للديانات السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام.

وأعلن الناطق باسم أسقف الكنيسة في ويلز أن "الكنيسة قامت بتحقيق مستفيض حول كيفية إعادة نشر هذه الرسوم في المجلة".

وقال الناطق "أنه على رغم أن نسبة توزيع المجلة تعتبر محدودة إلاّ اننا قلقون من إمكانية إلحاق أي إهانة بالجالية المسلمة في ويلز التي تقيم الكنيسة معها علاقات جيدة وذلك بعد إعادة نشر هذه الرسوم".

وبعث أسقف كنيسة ويلز الدكتور باري مورغان رسالة إلى كل المشتركين في المجلة يطلب منهم إعادة كل النسخ الموزعة وعددها حوالي 400 نسخة. وقد قدم الدكتور مورغان أيضاً اعتذاره إلى المجلس الإسلامي في إقليم ويلز حول أي إهانة ألحقتها هذه الصور.

وقال سليم كداوي الأمين العام للمجلس الإسلامي في ويلز أن الدكتور مورغان اتصل به هاتفياً على الفور للاعتذار عندما اكتشف أن هذه الرسوم قد تم نشرها في مجلة الكنيسة. وأكد أن المجلس الإسلامي في ويلز تربطه "علاقات طيبة مع الجاليات الأخرى وخاصة مع المسيحيين واليهود".

وفي السويد استقالت وزيرة الخارجية ليلى فريفالدس، بعد اتهامها بخرق حرية التعبير والكذب حول ضلوعها في إغلاق موقع لليمين المتطرف. أراد نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد(ص)، على شبكة الانترنت.

وقالت فريفالدس، في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الحكومة غوران بيرسون في استوكهولم، إنها لم تعد تستطيع الاستمرار في أداء عملها بعد الاتهامات ضدها، ما يضعف موقف الحزب الاشتراكي الديموقراطي الحاكم في الانتخابات العامة التي ستجري في أيلول المقبل، والذي تشير استطلاعات الرأي إلى انه يأتي في المرتبة الثانية بعد تحالف الوسط واليمين.

وواجهت فريفالدس، التي ستستبدل مؤقتاً بنائب رئيس الحكومة بورينغهولم، انتقادات شديدة منذ كانون الأول الماضي، بعد أن حمّلها تقرير حكومي مسؤولية جزئية في بطء تدخل استوكهولم في كارثة التسونامي في آسيا في العام 2004، والتي قضى فيها نحو 543 سويدياً.

وتزايدت الانتقادات لفريفالدس، بعدما اتهمت بخرق قانون حرية التعبير في السويد، عبر ضغطها على شركة (ليفولاين للانترنت) لإغلاق الموقع التابع لحزب (الديموقراطيين السويديين) اليميني المتطرف، الذي كان يخطط لنشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد.

وأغلق الموقع في 9 شباط الماضي بعد أن اتصل مسؤول من وزارة الخارجية بشركة (ليفولاين للانترنت). وذكرت الوزارة أن المسؤول لم يأمر بإغلاق الموقع، إلاّ انه شرح فقط أن الرسوم ستتسبب بالخطر على السويد في ضوء غضب المسلمين على الدنمارك التي نشرت صحافتها الرسوم.

وكانت فريفالدس قالت لوسائل الإعلام السويدية إنها لم تأمر المسؤول في الوزارة بالاتصال بالشركة، إلاّ أن تقريراً أصدرته وزارة الخارجية أظهر أنها كانت متورطة في الموضوع.

22ـ 3ـ 2006

اجتمع نحو 300 من علماء المسلمين ورجال الدين في البحرين للبحث عن سبل تثقيف الغرب بشأن النبي محمد(ص) بعدما أثارت رسوم كاريكاتور غضباً عارماً في العالم الإسلامي.

ويحضر هذا الاجتماع، وهو الأول من نوعه منذ موجة الغضب بشأن الرسوم المسيئة للنبي في وقت سابق هذا العام، ويتوقع أن ينبذ الإجتماع الاحتجاجات العنيفة التي قتل فيها 50 شخصاً على الأقل.

وفيما أعادت صحف أوروبية نشر رسوم الكاريكاتور المسيئة التي نشرت في البداية في الدنمارك تحت ذريعة حرية التعبير، انتقد المسلمون هذا المنطق قائلين ان الحرية لا تمتد إلى إهانة الأديان والرموز الدينية.

وقال الناطق باسم المؤتمر سليمان البطحي إن الاعتقاد هو أن هذا الحادث وقع بسبب الجهل بشأن النبي محمد.

وقال ان المقاطعة الإقتصادية من وسائل محاربة الجهل والاحتجاج على ما حدث، لكن هناك حاجة لتثقيف الغرب بشأن من هو النبي محمد وإقامة حوار مفتوح مع الغرب.

وندد العديد من علماء المسلمين بالهجمات على السفارات الأجنبية في الدول الإسلامية لكنهم حضوا على اللجوء إلى وسائل أخرى للتعبير عن الغضب مثل المقاطعة الاقتصادية للدول التي نشرت الرسوم.

وبينما سيضم هذا المؤتمر الدولي لنصرة النبي الذي يستمر يومين مسلمين فقط قال منظمون انه نقطة بداية لحوارات بين الاديان في المستقبل. ويحضر المؤتمر مسلمون من نحو 50 دولة، بينهم 6 علماء وأئمة بارزين من الدنمارك مثل أحمد أبو لبن وأحمد عكاري.

صحف أميركا تجنبت إعادة نشر الرسوم

تجنبت غالبية الصحف الأميركية الكبرى، إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للمسلمين، ولم تشذ عن ذلك سوى صحيفة واحدة هي (Inquirer) التي تصدر في مدينة فيلادالفيا، وهي تعد من الصحف الصفراء، حيث أعادت نشر بعض الرسوم على استحياء، مبررة ذلك بالحاجة إلى توضيح سياق القصة الخبرية لقرائها.

ورغم تفادي الصحف الأميركية الكبرى إعادة نشر الرسوم احتراماً لمشاعر المسلمين، الذين يتجاوز عددهم ثمانية ملايين نسمة في الولايات المتحدة، إلاّ أن معظم الصحف كثفت تغطيتها للقصة الخبرية، وأوردت وجهات نظر مختلف الأطراف.

وتبارى كذلك كتاب الأعمدة في الحديث عن القضية، فمنهم من نادي باحترام الأديان، ومنهم من دعا إلى أن تكون الحربة مقرونة بالمسؤولية، وقلة طالبوا بعدم المساس بحرية التعبير بأية صورة كانت.

وقالت صحيفة (فيلادالفيا إنكوايرور) التي أعادت نشر بعض الصور المسيئة، إن وكالة (اسوشييتد برس) الأميركية للأنباء كان عليها أن تقوم بتوزيع الرسوم المثيرة للجدل على مشتركيها، كي يتمكن الصحافيون على الأقل من معرفة حيثيات القصة التي يدور الجدل حولها.

وقالت أماندا بينيت مديرة تحرير (فيلادالفيا إنكوايرور) إن الوسط الصحافي الأميركي يتبادل الصور والرسوم المشار إليها بشكل سري، مشيرة إلى أن صحيفتها قررت أن تبين لقرائها خلفية القصة، بسبب قيمتها الخبرية وليس بغرض الإساءة.

ولكن معظم الصحافيين الأميركيين البارزين لا يتفقون مع ما ذهبت إليه أماندا بينيت، وعلى رأس هؤلاء ليونارد دوني مدير التحرير التنفيذي في صحيفة (واشنطن بوست) الذي قال إن تلك الرسوم لا تتماشى مع (معاييرنا الصحافية). وشبه داوني الرسوم المختلف عليها بالصور المزعجة لمشاهد تم تصويرها لضحايا كاترينا، أو لضحايا الإرهاب في العراق واستعاضت الصحيفة عن نشرها في حينه بالقول إنها صور مرعبة.

وكانت (واشنطن بوست) قد تابعت القصة الخبرية في صدر صفحتها الأولى في أكثر من عدد، من دون أن تجد أية ضرورة لإعادة نشر الرسوم. ولم يتم نشرها حتى على موقع الصحيفة على الإنترنت.

وقال مدير التحرير حول القضية "لدينا معايير في صحيفتنا تتعلق باللغة وحساسسية الأديان، وحساسسية الأعراق، إضافة إلى مراعاة الذوق العام". وفي السياق ذاته قال جيم مايكل محرر الشؤون الخارجية في صحيفة (يو.إس.أي.تودي): "إنني لا أجد أي مبرر لإعادة نشر مثل تلك الرسوم.. لقد وصفناها لقرائنا، ولست متأكداً من أن إعادة نشر الرسوم المزعجة، يمكن أن تضيف أي شيء للقصة الخبرية".

وأضاف مايكل "لقد ناقشنا الأمر في هيئة التحرير ووجدنا أننا يمكن أن نخدم قراءنا من دون الحاجة إلى الترويج للإساءات".

أما صحيفة (لوس انجلوس تايمز) في كاليفورنيا، فقد أصدرت تعميماً إلى المحررين وكتاب الأعمدة جاء فيه، إن الجميع متفقون على أن تغطية الموضوع، يجب ألا تتضمن الإساءة أو إثارة حساسية قطاع من قراء الصحيفة. ولم تشذّ صحف (نيويورك تايمز) و (واشنطن تايمز) و (وول ستريت جورنال) ولا أي من الصحف العريقة الأخرى عن هذه الرؤية.


المقاطعة للبضائع الدنماركية

تأثير المقاطعة اقتصادياً

في العادة يحظي الجانب الإقتصادي أو الجانب الأمني بالاهتمام من جانب المعنيين برسم السياسات بين الأمم وفي هذا تجاهل لكون العالم يعيش من خلال وجود ثقافات أو ـ لنقل تجاوزاً ـ حضارات ساد بعضها حيناً وساد الآخر حيناً إن لهذه الثقافات قيمها ورموزها ومقدساتها، وأن استقرار العالم وتحقيق أمنه وتطوره الإقتصادي قائم على إدراك أهمية العلاقات الثقافية كعامل استقرار يخدم مجمل العلاقات.

ولا شك أن الاقتصاد يلعب الدور الحيوي والمهم في حياة الأمم، ومن الطبيعي أن تسعى الأمم إلى تطوير هذه العلاقات وتبادل الاستثمار بما يحقق لها الازدهار. لكن السؤال الأكبر الذي يطرح بعد أزمة ذات طابع ثقافي هل يمكن للعلاقات الاقتصادية أن تنجح وأن تحقق أهدافها من دون المعرفة المتبادلة بين الشعوب القائمة على أكبر قدر من المعارف والمعلومات الصحيحة عن الآخر بما يقود إلى الاحترام المتبادل، والاقتناع بأن العالم هو مجموعة من الثقافات التي لها أتباعها ورموزها ومقدساتها، وان الإنسجام بين هذه الثقافات والإقرار بحق الأختلاف ضرورات بدونها لا تستقيم علاقات اقتصادية أو غيرها ولا يتحقق أمن واستقرار في عالمنا؟

إذا أدرك العالم ذلك، وتصرف بمسؤولية وسعى إلى حوار جاد ومتكافىء وأصدر من التشريعات ما يحقق هذا، فإن الإنسانية ستكون منتصرة. أما إذا استمر التجاهل المتبادل وتصرف أصحاب الثقافة الأقوى اقتصادياً وعلمياً وعسكرياً بالكثير من التعالي، واحتقار الآخرين والإساءة إلى مقدساتهم، فإن الأزمة الراهنة ستطل برأسها من جديد وستضيع كل الجهود المخلصة لتحقيق عالم يسوده الانسجام والاستقرار، متعدد الثقافات ومرتبط المصالح.

لم ينتظر الشارع العربي كثيراً صدور دعوات رسمية من مقاطعة البضائع والمنتجات الدنماركية، في رد فعل بدا للوهلة الأولى عفوياً وسريعاً على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد(ص) والتي كانت نشرتها إحدى الصحف الدنماركية في 30 أيلول.

الشارع العربي هذا، أو الشوارع العربية، التي قلما تلتقي عند أرضية مشتركة، جمعها عزم وحزم على تنفيذ هذا العقاب الاقتصادي. وبالفعل ما كاد نداء المقاطعة يطلق حتى بدأ الالتزام به ينتقل من بلد إلى آخر بسرعة قياسية. فبلغت خسائر شركة (آرلا) المصنعة للألبان ومشتقاتها، في السعودية وحدها 1،8 مليون دولار في اليوم، ما حدا بالشركة إلى الاستغناء عن خدمات بعض العمال والموظفين لديها. ويرجح أن تبلغ الخسائر السنوية للصناعات الدنماركية 1،6 بليون دولار إذا استمرت المقاطعة على نحو ما هي عليه.

واتخذت بعض الشركات كـ (نستلة) مثلاً تدابير احترازية، فأعلنت أن اثنين من منتجاتها لا يصنعان في الدنمارك في محاولة لابعادهما عن دائرة الشبهة، وللتخفيف من الخسائر التي قد تنتج من مقاطعتهما. ولا يقتصر الضرر الاقتصادي على الدنمارك وحدها، فبدأت دول أخرى من الاتحاد الأوروبي كالنرويج وفرنسا وسويسرا تدق ناقوس الخطر مما قد تؤدي إليه هذه الحملة، من أضرار باقتصادها.

هذه ليست المرة الأولى التي يقاطع فيها المستهلكون العرب منتجات أجنبية لمعاقبة الدول التي تصنعها، هي طريقة لممارسة ضغوط اقتصادية على هذه الدول، للتأثير في قرارها الذي غالباً ما يكون سياسياً. وغالباً ما تلجأ المجتمعات إلى هذه التصرف، لشعورها بعجز حكوماتها عن تطبيق قرارات ترضى طموحاتها. فعندما لم تتخذ الحكومات العربية قراراً سريعاً بالرد على الدنمارك، انطلقت الدعوات الدينية من المساجد ومن مراكز التجمعات الأهلية بوجوب اتخاذ خطوات عملية لإشعار الطرف الآخر، (المعتدي) بأنه يواجه طرفاً يعادله قوة وشأناً، ولا يمكنه تجاهله ببساطة. هي إجراءات دفاعية تطبقها المجموعات لرد الاعتبار الجماعي لها.

ولعل أبرز موجات المقاطعة الكبيرة التي عرفتها الدول العربية جاءت غداة الانتفاضة الثانية وحرب العراق وكانت موجهة ضد منتجات الشركات الأميركية وخصوصاً منها التي تمول دولة إسرائيل، في شكل مباشر أو غير مباشر( ).

واتسمت هذه الحملات بطابع شعبوي، فكانت قائمة على المبادرة الشخصية أو مبادرات الجماعة الضيقة، من دون أن تتخطاهما إلى دائرة القرار الرسمي أو التحريم الديني الذي نشهده اليوم. ووجهت تلك الحملات ضد العلامات التجارية الكبيرة مثل (بيبسي) و (كوكاكولا) و (ماكدونالد) و (ستارباكس) ولم تتوقف عند المنتجات الغذائية بل طاولت أيضاً مستحضرات التجميل والعناية بالنظافة كـ (استيه لودر) و (ريفلون) و (جونسون أند جونسون) والمنتجات التكنولوجية مثل (أي بي أم) و (انتل) وطبعت لوائح طويلة بالسلع والشركات التي يجب مقاطعتها، فأستبدل المنتوج الذي يمكن الاستغناء عنه بمنتجات محلية مثل مكة كولا ومشروبات زمزم ومأكولات (الطازج) السريعة التي نافست دجاج كنتاكي الشهير. وفي حال عدم وجود بديل محلي، وخصوصاً في ما يخص قطاع التبغ، فقد استبدلت السجائر الأميركية مثل (مارلبورو) و (كنت) بأخرى فرنسية أو بلجيكية مثل (غولواز) و (جيتان) ولعل تدخين النراجيل الذي انتشر أخيراً في مقاهي الأرصفة العربية، يعود في جزء كبير منه إلى تخلي العديد من الشباب والمدخنين عن نوعهم المفضل من السجائر، وعدم تمكنهم من استبداله بنوع آخر، فما كان منهم إلاّ أن تحولوا إلى النراجيل.

على الأرض وفي وقت تتحدث فيه جهات دنماركية عن أن الاقتصاد الوطني يتمتع بدرجة من المتانة لمقاومة قرارات المقاطعة العربية والإسلامية، أشارت مصادر إلى أن عدداً من الشركات الدنماركية تحاول الالتفاف على هذه القرارات بعدة طرق.

وفي أول تعليق له على هذه القضية في صحيفة (بيورسن) الاقتصادية، أعتبر وزير المالية الدنماركي ثور بيدرسن أن هذه الأزمة "لا تشكل تهديداً للاقتصاد الدنماركي في وضعه اليوم".

لكنه أشار إلى أنه لا يعرف كيف ستتطور الأمور، ولا إلى متى ستدوم.

وقال اتحاد الصناعات الدنماركية أن شركات دنماركية عدة اضطرت إلى المرور عن طريق فروعها في الخارج بهدف مواصلة بيع منتجاتها تحت اسم آخر غير الدنمارك، بدون الكشف عن أسماء هذه الشركات. وبهذه الطريقة تحاول مجموعة (آرلافودز) ثاني منتج أوروبي للحليب والمجموعة الدنماركية الأكثر تأثراً بالمقاطعة، بيع الزبدة التي تنتجها وتسوقها في علب من 25 كيلوغراماً دون لصق اسمها عليها.

وقالت أستريد غيد نيلسن، المتحدثة باسم الشركة، "أن مبيعات (آرلا فودز) من مشتقات الحليب تبلغ أكثر من ثلاثة مليارات كورون في السنة إلى الشرق الاوسط"، وأضافت أن شركتها تخسر حالياً عشرة ملايين كورون يومياً "أي خسارة 140 مليون كورون منذ 28 كانون الثاني حتى اليوم".

كما جمدت صادرات الطيور إلى الشرق الأوسط التي كانت تمثل حوالي 180 مليون كورون (16.24 مليون يورو) سنوياً أي ما يعادل 12% من الصادرات الإجمالية الدنماركية لهذا القطاع.

وطلبت جمعية أصحاب السفن الدنماركية من أعضائها إنزال الأعلام الحمراء مع الصليب الأبيض عن سفنهم التي ترسو في شواطىء دول إسلامية. ولمواجهة المقاطعة، أطلقت حملات دعم تحت شعار (باي دانيش) على شبكة الانترنت، وخصوصاً المواقع الأميركية تدعو إلى شراء العاب ليغ ومنتجات (آرلا فودز) وبيرة (كارسلبرغ) وأطلقت الصحيفة الألمانية (دي فيلت) أيضاً موقعاً لدعم المنتجات الدنماركية( ).

من ناحية أخرى أعلنت جمعية شركات السفر في الدنمارك أنها قررت إلغاء جميع رحلاتها السياحية إلى مصر وتونس والمغرب إثر حوادث العنف التي وقعت على خلفية نشر صحيفة دنماركية رسوماً كاريكاتورية مسيئة إلى النبي محمد(ص).

وتضم هذه الجمعية 12 شركة سفر تسير حوالي 90 في المئة من الرحلات غير النظامية (تشارتر) من الدنمارك. ويأتي هذا القرار إثر دعوة الحكومة الدنماركية مواطنيها إلى عدم السفر إلى هذه الدول "إلاّ في حالات الضرورة القصوى"، بحسب مدير جمعية شركات السفر ورئيس شركة (أبولو) للسفر يان لوكهارت.

موضحاً أن 2500 سائح دنماركي لن يتوجهوا بالتالي إلى مصر، وجهتهم المفضلة خلال فصل الشتاء. وتابع لوكهارت >أن عدد السياح الذين كان مقرراً أن يتوجهوا إلى المغرب وتونس هو أقل بكثير< من دون أن يقدم أرقاماً محددة.

وأضاف أن "حوالي 2000 شخص يتوجهون أسبوعياً إلى هذه الدول الثلاث". وأوضح أن شركات السفر ستعرض على هؤلاء السياح التوجه إلى جزر الكناري. وكانت الدنمارك نصحت رعاياها بعدم التوجه إلى 14 دولة عربية وإسلامية بينها مصر وتونس والمغرب بعد إحراق سفارتها في دمشق وقنصليتها في بيروت.


إعتذارات

بتاريخ 5 ـ 2 ـ 2006 نشرت جريدة (ييلاندس بوستن) الدنماركية اعتذاراً في عدة صحف عربية، كما نشرت إعتذاراً بنص آخر على موقع الجريدة على انترنت هنا نص الإعتذارين:

إعتذار1: جريدة يولاندس بوستن الدنماركية للإسلام والمسلمين بتاريخ 5 ـ 2 ـ 2006

حضرات المواطنين المسلمين . . .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

دعوني أولاً التأكيد على أن صحيفتنا يولاندس بوستن تؤمن وتثمن حرية الأنتماء الديني وتساند الديموقراطية وتحترم كل فرد، نحن نعتذر على سوء التفاهم الكبير الذي حصل حول الرسومات التي شبهت الرسول الكريم محمداً(ص) وأدت إلى نمو مشاعر العداء للدنماركيين، بما في ذلك الدعوة إلى مقاطعة البضائع الدنماركية. وهنا اسمحوا لي بإيضاح بعض النقاط أملاً في إزالة سوء الفهم هذا.

قامت صحيفة يولاندس بوستن بتاريخ 30 ـ 9 ـ 2005 بنشر اثنتي عشر صورة للنبي محمد(ص) رسمها رسامون دنماركيون، ومن المهم جداً الإشارة إلى أن هذه الرسومات لم يكن القصد منا النيل من شخص النبي(ص) بتاتاً أو الحط من قيمته، بل كانت مدخلاً للحوار حول حرية التعبير عن الرأي، التي نعتز بها في بلادنا. ونحن لم ندرك حينها، مدى حساسية المسألة للمسلمين الذي يعيشون في الدنمارك وملايين المسلمين حول العالم، كما أن نشر هذه الرسومات لم يتعارض بأي شكل من الأشكال مع قوانين الدنماركية فيما يتعلق بحرية الصحافة وإبداء الرأي.

لكن هذه الرسومات أساءت كما يبدو إلى ملايين المسلمين في كل أنحاء العالم، ولذلك نحن الأن نقوم بتقديم اعتذازنا وأسفنا العميق لما حدث لأن هذا بعيد كل البعد عن قصد الصحيفة، التي سبق لها أن حصلت على جائزة الإمتياز من مفوضية الأتحاد الأوروبي، وذلك إثر نشرنا العديد من المقالات في ملحق خاص يدعو للتعايش السلمي، والاحترام المتبادل بين الدنماركيين وكل الأقليات الأخرى في الدنمارك. وهذا الملحق شمل العديد من المواضيع التي تحلت بالإيجابية عن الإسلام والمسلمين. والذي حدث فيما بعد هو أن رسومات (مقصودة) مسيئة للإسلام ونبيه الكريم محمد(ص) نشرت وعرضت في العالم الإسلامي، هذه الرسومات لا تمت إلى صحيفتنا ولا علم لنا بها ونحن منها براء، لأنها لم تنشر في يوم ما على صفحات يولاندس بوستن نحن نحرص دوماً ونؤكد على الأخلاق الرفيعة المبنية على أسس احترام المبادئ لذا فإننا نبدي أسفنا العميق، كون البعض ما زال يعتقد بصلتنا وعلاقتنا بهذه الرسومات المغرضة.

وكي نعود إلى الرسومات الاثنتي عشر والتي نشرت لدينا فإن البعض يعود إلى سوء فهم مبني على اختلافات ثقافية، دون أن نفضل ثقافة على أخرى، قدمت وكأنها حملة شرسة نشنها على المسلمين في الدنمارك والعالم أجمع، هذه الفكرة نرفضها ونشجبها لأننا نؤمن بحرية الأديان أياً كانت، ونقدس حرية الفرد بممارسة شعائره الدينية، ولم ولا نفكر بالمساس أو الاعتداء على أي ديانة، فإننا نأسف على إساءة فهمنا، ونؤكد أن المقصود لم يكن أبداً النيل من أحد.

وفي محاولة جادة من طرفنا لإزالة سوء التفاهم هذا عقدنا العديد من الاجتماعات مع ممثلي الجالية الإسلامية في البلاد وتمت الاجتماعات في جو إيجابي، والحوار كان بناء، كما أننا نسعى وبكل الطرق لاستكمال روح الترابط والحوار مع المسلمين الدنماركيين.

إن رغبتنا أولاً وأخيراً هنا في الصحيفة، هي التعايش السلمي بين الشعوب، ونتمنى أن تسود روح الحوار حتى لو اختلفت الآراء.

أخيراً دعوني وعلى لسان صحيفة يولاندس بوستن أعلن إعتذاري لما حدث وأعلن استنكاري التشديد لأية خطوة تستهدف النيل من أديان، قوميات أو شعوب معينة، وكلّي أمل أن أكون بهذا قد أزلت سوء التفاهم وبالله التوفيق.

مع أطيب التمنيات/ كارستن يوسته/ رئيس تحرير صحيفة يولاندس بوستن.

اعتذار2: الموقف الدنماركي من الإسلام:

يجب أخذ أمر القلق الذي عبر عنه الكثير من المسلمين بشأن الرسومات للنبي محمد(ص) بعين الجدية الإسلام له احترام وكونه أحد الأديان الرئيسية في العالم، إن النبي محمد(ص) من الشخصيات الدينية العظيمة في تاريخ البشرية. وليس للحكومة الدنماركية أية رغبة أو جدول أعمال لإهانة المسلمين، أو التهكم عليهم أو التصرف بقلة احترام بأية طريقة أخرى.

إن الحرية لممارسة الدين هو حق أساسي في الدنمارك، حيث أنه يجب أن يتاح المجال لجميع المجموعات الدينية بغض النظر عن العقيدة لممارسة هذا الحق في جو من التسامح والاحترام، ويجب استنكار أي تعبير، عمل، أو إشارة تحاول تشويه صورة مجموعة من الناس بناء على عقيدتهم أو خلفيتهم العرقية.

التسامح، الاحترام المتبادل، والحوار جميعها قيم جوهرية في المجتمع الدنماركي، إن العلاقات الودية بين الدنمارك والعالم الإسلامي، لهذا تقاليد طويلة ترغب الحكومة الدنماركية في مواصلتها وتقويتها في المستقبل. وهذا هو كذلك السبب في مبادرة الحكومة الدنماركية عام 2003 ببرنامج الشراكة من أجل التقدم والإصلاح من العالم العربي، يهدف هذا البرنامج إلى تقوية الحوار مع جيراننا العرب، وتلعب الدنمارك دوراً فعلاً في علمية السلام في الشرق الأوسط وكذلك نعمل في إطار الاتحاد الأوروبي على تنمية التعاون مع جيراننا المسلمين، هدفنا زيارة الحوار والشراكة مع المسلمين حول العالم وليس التقليل منها.

اعتذار سفير الدنمارك في السعودية

وبتاريخ 1ـ 3ـ 2006 وخلال زيارته إلى رئيس مجلس الشورى السعودي، أبدى سفير الدنمارك لدى السعودية اعتذار بلاده للمسلمين في العالم بشأن الرسوم المسيئة للرسول محمد(ص) التي نشرتها صحيفة دنماركية.

وأوضح كلينغنبيرغ أن حكومة الدنمارك وشعبها يستنكران هذه الإساءة التي لا يرضى بها أحد لشخصية أسهمت في التاريخ الإنساني في شكل مؤثر ومهم، مؤكداً أن بلاده اهتمت ببيان الاستنكار الصادر عن مجلس الشورى بخصوص هذا الموضوع. وتسلم البرلمان الدنماركي نسخة منه.

وقال: "إن حكومة الدنمارك أصدرت بياناً لتوضيح موقفها وبيان انزعاجها من الصحيفة التي نشرت الرسوم المسيئة، ولقي البيان ترحيباً وتأييداً من وزير خارجية الإتحاد الأوروبي".

وأشار إلى أن بلاده تتمتع بحرية في التعبير وطرح الآراء، لكنها يجب أن تكون مدخلاً للحوار الإيجابي البناء بين الشعوب، لا وسيلة للإساءة إلى الرسل والمعتقدات الدينية، أو ثقافات المجتمعات.

من جهته، جدد رئيس مجلس الشورى السعودي استغراب المسلمين واستنكارهم لما صدر من الصحيفة الدنماركية، وبنشرها رسوماً تمس مشاعر عموم المسلمين، مؤكداً أن هذا التصرف "يرفضه كل حكماء العالم وعقلاؤه، لأن هذه الإساءات تؤجج الفتن وتزيد التنافر بين الشعوب". وأكد أن حرية الرأي يقر بها الجميع، موضحاً أن "الإسلام أول من نادى بها، لكن ليس من حرية التعبير الاستهزاء بالناس والسخرية منهم، فكيف إذا كان الاستهزاء بالنبي الكريم (ص)".

وطالب رئيس مجلس الشورى الجانب الدنماركي باحتواء الأزمة وتوضيح صيغة الاعتذار الذي قدمته الصحيفة ونشرته في موقعها على الإنترنت، مشدداً على رفض العنف من أي طرف، أو الاستفزاز في التعبير عن المشاعر، ومشيراً إلى ضرورة العمل على إيجاد قنوات للحوار والتواصل والبعد عن الصراع الذي لا يصب في مصلحة كل الأطراف.

بيان من شركة آرلا للمواد الغذائية: شركة آرلا فودز، تشجب وتستنكر الرسوم الكاريكاتورية

في 20 ـ 3 ـ 2006 نشرت شركة آرلا الدنماركية للمواد الغذائية بياناً على شكل إعلان تشجب فيه الرسوم الكاريكاتورية، هنا نص البيان: نود أن ننتهز فرصة انعقاد "المؤتمر العالمي لنصرة النبي(ص)" واجتماع العديد من علماء المسلمين والقيادات الشعبية والجمعيات الخيريةالإسلامية في البحرين ما بين 22 ـ 23 آذار 2006 لنتحدث إليكم عن رؤيتنا للحدث المؤسف الذي وقع في الأشهر القليلة الماضية ولنوضح لكم عدة أمورٍ مهمة:

أولاً: إن شركة آرلا فودز تشجب وتستنكر وتُدين بشدة ما نشرته الصحيفة الدنماركية من رسوم كاريكاتورية تسخرُ فيها من الرسول محمدٍ(ص)، كما ترفضُ أي أسبابٍ ساقتها الصحيفةُ كتبريرٍ لهذا الفعل.

ثانياً: طوال أربعين عاماً ونحنُ نعملُ في الشرق الأوسط ونشكِّلُ جزءاً من هذا المجتمع مما جعلنا نَتَفَهَّمُ مشاعرَكُم تجاه ما نشرته تلك الصحيفة، ونحترم ردةَ فعلِكم تجاه الفعل غير المسؤول والمؤسف الذي قامت به الصحيفة، والذي تمثل في مقاطعتكم لمنتجاتنا.

ثالثاً: طوال تلك الفترة الطويلة تعرفنا على الثقافةِ والقيمِ الإسلامية وأن العدالةَ والتسامحَ هما من تعاليم الدين الإسلامي الأساسية، ومن هذا المنطلق نتمنى أن تعيدوا النظر في موقفكم تجاهنا ونحن على أتم الاستعداد للعمل سوياً من أجل الوصولِ إلى حل لمشكلة مقاطعة منتجات شركتنا (آرلا للمواد الغذائية).

شركة آرلا هي تعاونية دنماركية/سويدية مملوكة لمزارعين، وتشملُ العديدَ من المساهمين والمستثمرين المسلمين من الدول العربية. كما يعمل لدى الشركة أكثرُ من ألف موظفٍ مسلم في الدول العربية والإسلامية، وأكثر من مائتين وخمسين مسلم في أوروبا، جميعهم يعانون هذه الأيام مما أصاب مبيعات الشركة في المنطقة، مع العلم أنهم لم يرتكبوا أي ذنب بل ارتَكَبَه غيرُهم، وهم يُدِينُونَه وَيستَنكِرُونَه.

نحن نفخر بنجاحنا في خدمتكم لسنوات طويلة، قدمنا لكم فيها منتجات مثل لورباك، بوك، دانو، والبقرات الثلاث وهي منتجات عالية الجودة حازت دوماً على ثقتكم.

الآن... وبعد أن أوضحنا موقفنا وعرفتم من نحنُ، نترك الباقي لعدلكم وإنصافكم.

بيدر توبورج؛ المدير العام التنفيذي ـ آرلا فودز، نيابة عن: الإدارة والعاملون بشركة آرلا للمنتجات الغذائية.


رأي لصحافة العالم

الشروخ التي كشفتها قضية الرسوم( )

هل هو صدام الحضارات؟ لا شك في ذلك، ولكن أي حضارات؟ بعد ثلاثة أسبايع على بدء الاضطرابات التي حوّلت الجدل القائم حول الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية للنبي محمد دوامة عنف دولية، تخطى النقاش النظرية المبسطة القائلة بوجود صدام بين الإسلام والغرب. وهو إذ يبيّن اتجاه القيم في أوروبا والولايات المتحدة، يكشف انقسامين: الأول في ظل المجتمع الغربي والثاني بين مسلمي أوروبا ومسلمي الشرق، الأوسط أو الأقصى.

تماماً مثل النقاش حول الحجاب في فرنسا قبل سنتين واغتيال المخرج تيو فان غوغ في بلجيكا في تشرين الثاني 2004، تندرج قضية رسوم النبي محمد ضمن المسائل التي طرحتها التغييرات الديموغرافية خلال السنوات العشرين الأخيرة في أوروبا. يضم الاتحاد الأوروبي اليوم 15 مليون مسلم، منهم نحو 5 ملايين في فرنسا وحدها. ومنذ اعتداءات 11 أيلول 2001، تخضع قوانين العيش المشترك لموجبات أخرى.

أظهرت ردود فعل الحكومات ووسائل الإعلام الغربية اختلافاً عميقاً بين القارة الأوروبية والولايات المتحدة. وعبّرت إدارة بوش بوضوح، عن تضامنها مع المسلمين الذين شعروا بالإهانة، معربة عن أسفها لنشر الرسوم في أوروبا. قد تدهشنا ردة الفعل هذه لكنها آتية من بلد يتحوّل فيه التعبير الديني أكثر فأكثر عنصراً مقوماً للخطاب، ردة الفعل كانت شبيهة في لندن. لا الصحافة ولا السلطات أرادت المخاطرة بتهديد السلام الواهن السائد بين الطوائف المختلفة في البلد منذ اعتداءات تموز 2005 وانتظرت كوندوليزا رايس، الشارع في البلدان المختلفة بدلاً من انتقاد الرسوم، بعد تنبّهها لاستغلال دمشق وطهران القضية سياسياً. ولكن الطبقة السياسية الأميركية ، من بيل كلينتون إلى الـ (واشنطن بوست)، بما في ذلك الديموقراطية، بقيت معادية لإعادة نشر الرسوم الدنماركية. في المقابل، في القارة الأوروبية باستثناء بريطانيا، نشرت صحف عدة، من الأطلسي حتى أوكرانيا، الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية كاملة أو بعضها، وقد أظهرت الحكومات فيها ميلاً أكبر للدفاع عن حرية الصحافة. ولم يكن موقف فرنسا مغايراً. إذ إنها متأثرة بثقافة (فولتير) وبتقليد حرية انتقاد رجال الدين. وأشار رئيس الوزراء الدنماركي أنديرس فوغ راسموسن إلى قلة تحمس زملائه الأوروبيين في التعبير علناً عن تضامنهم. وقد تلقى دعماً واضحاً من رئيس اللجنة الأوروبية خوسي مانويل باروسو الذي دافع بصرامة عن (القيم) الأوروبية في مقابلة مع (انترناشيونال هيرالد تريبيون)، قائلاً: "فلنرفض الخوف في مجتمعنا".

تطرح قضية الرسوم الكاريكاتورية للغرب أيضاً مسألة دولة القانون كقيمة ديموقراطية. وقد نسيت السلطات العامة والوطنية والدولية المنهمكة في البحث عن توازن بين الحرية والمسؤولية، أن قوانين النظام الديموقراطي سنّت لكي تُطبق. ندّدت واشنطن بنشر رسوم مهينة طبعاً، ولكن شرعية تماماً في البلدان الني نشرت فيها ولكنها لم تنبس بكلمة إزاء الخرق الواضح للقانون الدولي في الاعتداء على هيئات ديبلوماسية وعدم حمايتها. ولتهدئة الأمور بدأ خافيير سولانا، الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جولة في العالم العربي معلقاً برفق على مشروع تعديل رفعته البلدان الـ 57 الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي إلى الأمم المتحدة باعتبار (إهانة الديانات والأنبياء متنافية مع حق حرية التعبير). ولكن كم من هذه البلدان تحترم "الحق في حرة التعبير"؟ كم من صحافي مسجون؟

من جهة أخرى أنتج الجدل شرخاً بين المسلمين المعتدلين والمسلمين الأصوليين من جهة، وبين مسلمي أوروبا ومسلمي الشرق من جهة أخرى.

الباحث أوليفييه روا أشار إلى أن المنظمات الإسلامية في أوروبا تحفظت إزاء العاصفة التي سببتها الرسوم وكتب في (لوموند): "يجب البحث عن وسيلة للسيطرة على التوتر كونه يظهر شرخاً بين إسلام أوروبا وأزمات الشرق الأوسط". وأضاف: "يجب معاملة مسلمي أوروبا كمواطنين، تماماً مثل المسيحيين واليهود، ولو اقتضى ذلك التذكير بمبادىء حرية التعبير والعلمنة على الدوام". خلافاً للصور المتداولة إعلامياً لإسلاميين متطرفين ينددون بموت الرسامين الكاريكاتوريين إن الإسلام الأوروبي معتدل للغاية. في ألمانيا واسبانيا وفرنسا وبريطانيا، تضاعفت النداءات الداعية إلى الهدوء. ولا شكّ في أن إحالة الكثير من المنظمات الإسلامية الأوروبية القضية أمام المحاكم إنما تعبّر عن رغبتها في احترام دولة القانون في البلد الذي تعيش فيه. أما الذين ينظمون تظاهرات عنيفة فلا ينادون إلاّ بفرض قوانين الإسلام على مجتمعات علمانية. على الأوروبيين أن يدركوا أي طرف عليهم تشجيعه، بإعطائه فرصة الاندماج الكامل في مجتمعاتنا. ومهما يكن من أمر ورغم العنف والمبالغات الصارخة لا شك في أنّ قضية الرسوم ستساهم في توضيح المسار الذي ينبغي أن تأخذه الأمور.

حدود معركة الرسوم الأوروبية رمادية( )

نادراً ما يوافق اليسار طوني بلير أو جورج بوش، الرأي. وهذه المرة، أوحت حكمة الرجلين قرارهما الصائب أخذ جانب اليسار والليبراليين من نشر رسوم الكاريكاتور. فثمة سحابة الخوف تحوم على مكاتب الصحف الغربية، وتتربص بمدرائها فيحجمون عن نشر ما من شأنه أن يزعج المسلمين. وكان رئيس تحرير القسم الثقافي في جريدة "يولاندز بوستن" ناشرة الرسوم السمجة، فليمنغ روز، قال إنه أراد التحرر من (الرقابة الذاتية) الدنماركية فيما يمس الإسلام؟ ولكن زعم الصحف عينها أن من أرسل الجنود إلى قلب واحدة من أقدم العواصم العربية، ولم يجلهم عنها حتى الساعة، وربما إلى أجل غير مسمى على رغم معارضة الغالبية العراقية، يخشى استفزاز المسلمين، زعم غير معقول ولا يصدق. وبوش لا ينفك يثير حفيظة المسلمين بتهديده العسكري المستمر لإيران. فالمحافظ الجديد العظيم، ومستشاروه الايديولوجيون، تبنوا موقفاً عملياً من الرسوم، وتحلوا بذكاء، نبههم إلى أن الرسوم هذه تفتقر إلى اللياقة، وتصور المسلمين جميعاً في صورة شهداء مزمعين.

وموقف بوش قرينة على تفوق الأميركيين على الأوروبين، فيما يعود إلى فهم التعددية الثقافية. ولا تخلو الولايات المتحدة نفسها من التمييز العنصري والديني والإثني فاضطر الأميركيون إلى التعامل مع الثقافات الكثيرة التي تتألف منها أمتهم، وانتهوا الى التغني بالتعددية والإختلاف في ضوء تاريخ البلاد الحافل بحركات الهجرة الجماعية، وتشديد الدستور الأميركي على مكانة حقوق الأفراد، أياً كان منشأهم.

وأما في بريطانيا، فلا نزال متخلفين عن الأميركيين. إذا صح أن للتسامح حدين: الأول مقاومة الإختلاف والثاني التغني به، فبينهما حد ثالث هو قبوله. وعليه قد تكون مرتبة اقرب إلى الوسط منها إلى أحد الحدين. وليست إدانة الوزير جاك سترو السباقة للرسوم وليدة الصدفة. فوراء سترو ناخبو بلاكبورن، وكثير من الناخبين المسلمين المعتدلين. هو أدرك مدى شعور ناخبيه بالإهانة، جراء الرسوم. ولا شك في أن خبراء العالم العربي في وزارة الخارجية أبدوا من جهتهم رأيهم في المسألة، ولقوا آذاناً صاغية هذه المرة. والدنمارك ثابتة مكانها في الجهة المتحيزة على الإختلاف والمناوئة له، وهي بلد من اثنية واحدة، ولم تتقبل الثقافات الجديدة المقيمة فيها. ويشابه الخطاب العام في هذا البلد ذاك الذي ساد بريطانيا قبل جيل مضى. وتشوبه عبارات غاضبة تتناول واجب (الضيوف) إما إلتزام معايير (البلد المضيف) أو الرحيل عنه. فليحول واحد منا هذا الخطاب بوجه لاجىء كردي هرب من عراق صدام حسين، أو بوجه ابنه المولود بكوبنهاغن.

ونشرت صحيفة (دير شبيغل) الألمانية مقالاً ممتازاً بقلم دارسة السياسيات الدنماركية، ييتي كلاوسن وهي حاورت ما يزيد عن 300 مسلم بارز في أوروبا الغربية، طوال السنوات الخمس المنصرمة. وترى الكاتبة أن "ضعف التسامح الديني واحترام حقوق الإنسان في الدنمارك بارز" وتستعيد كلاوسن كلمات وزير الشؤون الثقافية المدافع الشرس عن (استرجاع) الثقافة الأصلية، برايان ميكلسن، قبيل نشر الرسوم: "لقد خضنا الحرب ضد ايديولوجية التعددية الثقافية التي تؤمن بتكافؤ الأشياء كلها، وصلاحياتها جميعها على حد سواء".
 
فما الذي يحمل، والحال هذه صحيفة بريطانية تقدمية إلى (التضامن) مع المحررين الدنماركيين المعادين للمهاجرين، بعد ارتكابهم خطأ تقدير فظيعاً، عوض التضامن مع المسلمين البريطانيين الذين دانوا كلهم الرسوم؟

ولكن مهما كان غضب المتظاهرين مبرراً، فهل مقاطعتهم منتجات بلد أو رفعهم شعارات تنادي بقطع الرؤوس، مبرران؟ قد يصبح الغلو في رد الفعل أكثر عدائية من مسبباته، فيزيد عدد الذين يخافون المسلمين. ويلاحظ أن المتظاهرين الذين هجموا على مكاتب الإتحاد الأوروبي بغزة ليسوا من أنصار (حماس)، بل هم من الرعناء القريبين من (فتح) المهزومة و (الجهاد الإسلامي). ويحتمل أن يكون هدف المتظاهرين إحراج (حماس)، أو تسليط الضوء على حركاتهم. وفي إيران، لا يسعى الرئيس الذي يتعمد المواجهة إلاّ للتذرع بذريعة جديدة إلى الحفاظ على الدعم الشعبي له. فقد قطع الوعود بمساعدة مواطنيه الأكثر فقراً، ولم يف بأي منها. فهربت الرساميل الإيرانية من البلاد، وتدهورت أسهم البورصة. ويحجم المستثمرون عن الاستثمار في مشاريع جديدة، خشية دخول إيران حرباً مع الولايات المتحدة. وفي هذه الظروف، لعل خير وسيلة لإلهاء الرأي العام هي انكار (الهولوكوست) وإلقاء الخطب في المؤامرة الغربية وراء الرسوم.

ويقع معظم المسؤولية على عاتق وسائل الإعلام الأوروبية. فعلى هذه تجنب إبراز الشعارات المتطرفة التي ظهرت في التظاهرات المعادية للرسوم، والزعم انها تختصر آراء المسلمين كلهم. فالقادة المسلمون المعتدلون في الدول الأوروبية حضوا، طوال الأسبوع، على ضبط النفس، ودانوا عنف المتظاهرين. ونددوا، من قبل، بتحريض أبي حمزة على القتل، قبل أن تندد به المحكمة.

ولكن المشكلة أن الإعلام نادراً ما ينقل المناقشات القديمة والمتواترة في قلب المجتمع الإسلامي. فمحاولات المعتدلين مقاومة الرأي المتطرف، لم تنقطع. والحق أن المسلمين جزء من التنوع الأوروبي الجديد. وهم، كذلك، متنوعون. وتضم المجتمعات الليبراليين والمحافظين والحداثويين والتقليديين، كما تضم من يدركون آداب اللياقة والمتزمتين الذي يجهلونها.

الرسوم الكاريكاتورية والخسائر الفادحة( )

منذ عام، كانت شركة (آرلافودز)  الدنماركية عظيمة الثقة بقدرتها على بيع منتجات الألبان في الشرق الأوسط بكميات تفوق تلك التي تبيعها في الدنمارك. فنقلت مصنعها لإنتاج الجبن المطبوخ من الدنمارك إلى المملكة العربية السعودية. حيث كانت تنتج الألبان منذ عشرين عاماً. بلغت قيمة أرباح شركة "آرلافودز" في منطقة الشرق الأوسط 456 مليون دولار. كونها تنتج الزبدة الأكثر مبيعاً في الشرق الأوسط. وتسعى هذه الشركة إلى التوسع في تجارتها ومضاعفة مبيعاتها قبل حلول العام 2010. وقال مسؤول في شركة آرلافودز في هذا الصدد: (أنشأنا مصانع في المملكة العربية السعودية منذ سنين عدة. فلا عجب في أن تعتبرنا السلطات السعودية اليوم من أصحاب المصانع المحلية. لكن الواقع مختلف كل الاختلاف. لأن شركة آرلافودز بذلت طوال عشرين عاماً جهوداً ذهبت سدى. إثر إصابتها بنكسة كبيرة بسبب مقاطعة العالم الإسلامي للبضائع الدنماركية. إذ تخسر الشركة 1.8 مليون دولار يومياً جراء سحب منتجاتها من رفوف البيع.

يخشى البائعون في الشرق الأوسط ردة الفعل العنيفة عند المسلمين نتيجة الخلاف القائم حول رسوم الكاريكاتور المسيئة للنبي محمد فيما ثار غضب الأوروبيين على مجموعة كارفور الفرنسية للتوزيع إزاء سحبها عمداً المنتجات الدنماركية من رفوف مخازنها في الشرق الأوسط. وإفتخارها بالقيام بهذه الخطوة. وازدادت حدة هذه الأخطار حين قطعت إيران علاقاتها التجارية مع الدنمارك (تبلغ القيمة السنوية للواردات الإيرانية من الدنمارك زهاء 280 مليون دولار)، لكن مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي حذر المملكة العربية السعودية من إحتمال مثولها أمام منظمة التجارة العالمية التي انضمت إليها أخيراً، إذا ما شجعت مواطنيها على مقاطعة البضائع الدنماركية.

من المحتمل أن تنخفض القيمة السنوية للبضائع الدنماركية (البالغة حوالي 1.6 مليار دولار أميركي) في 20 دولة إسلامية. كما أصيبت شركات دنماركية أخرى بنكسات اقتصادية جراء حملة مقاطعة البضائع الدنماركية. فأعلنت شركات كبرى لإنتاج الأنسولين انخفاض استهلاك منتجاتها في الصيدليات والمستشفيات السعودية، كذلك أعلنت شركة ليغو (شركة دنماركية كبرى لتصنيع الألعاب) انخفاض استهلاك منتجاتها في أسواق الشرق الأوسط، رغم أن نسبة مبيعاتها في الشرق الأوسط تقل عن 1% من مبيعاتها العالمية.

تقف الشعوب الإسلامية للشركات الدنماركية بالمرصاد فيما تزداد أرباح الشركات الأخرى. كذلك أطلقت شركة نستلة السويسرية حملات إعلانية موضحة أنها لا تمتلك مصانع في إسكندينافيا، وذلك رداً على الشائعات التي قد تؤدي إلى تراجع مبيعاتها، كذلك أشارت الشركة النيوزيلاندية فونتيرا كووبيراتيف غروب والشركة الفرنسية غروب لاكتاليس، اللتان تنتجان الألبان إلى ازدياد اقبال على منتجاتهما، لكن صحيفتين فرنسيتين أعادتا نشر الرسوم الكاريكاتورية، فمن المحتمل ألاّ يستمر الإقبال على منتجات (غروب لاكتاليس).

وبوسع الشركات شراء تأمينات لتقليل الخسائر الناجمة عن الأزمات الاقتصادية، لكن المسؤوليات المترتبة على الشركات المستوردة غير واضحة، والزبائن يريدون التمعن في قراءة الخطوط الرفيعة للاتفاقات التجارية، وذكر في هذا الصدد الوسيط في شركة أون للتأمين شارلز كيفيل "لا ضمانات مالية شاملة على المنتجات" وأضاف: "جزء من المشكلة يكمن في معرفة متى تشكل مقاطعة المنتجات الدنماركية خطراً سياسياً". انتشر غضب المسلمين اليوم إلى خارج الحدود الدنماركية، ويعتقد كيفيل أن الأوان فات لتشتري الشركات الأوروبية تأمينات لتغطية الأخطار السياسية التي سرعان ما تهدد الشرق الأوسط، وأضاف: "يساورنا قلق شديد إزاء كل خطر محتمل في الشرق الأوسط".

نبي الهداية وليس الانتقام( )

هل من مقدس في الغرب؟ فبعد تطاول الغربيين على نبيهم عيسى بن مريم، كنا نحن المسلمين، المدافعين عنه. وكنا المدافعين عن النبي موسى واليهودية من جنايات المجرم شارون. فنحن لا نهين الرسل، ولا نفرق بينهم. وليس العنف والحرب من طبائع المسلم، فالمسلم يميل إلى السلم والسلام. وهما مشمولان في كلمة الإسلام. ولا شك في أن ما فعلته الصحيفة الدانمركية يستدعي الحزن والرثاء. فانحطاط الأخلاق هو فناء الإنسانية وانهيار القيم، والمسلمون محقون في غضبهم من رسوم الصحيفة الدانمركية، وفي دفاعهم عن نبيهم. فالعالم الإسلامي مجروح. وجاء الرسول الكريم(ص) في سبيل تمام مكارم الأخلاق، وهداية الضالين عن سبيل الله. ولم يأت الرسول(ص) مقتصاً. وعلينا نصرة رسولنا، والتزام معايير في هذه المهمة. وعلى المسلمين تفهم المرض النفساني والروحاني لمن شوّه صورة النبي. وعلينا إثبات خطأهم، وإظهار صورة المسلمين الحقيقية. ودعوا الحرب والقتل لبوش ورفيلد. ولنخرج نحن رافعين رايات كتب عليها: (نحن نحب محمد، نحن نحب عيسى وموسى والبشر والمخلوقات جميعاً). وعلينا إنقاذ هؤلاء الضالين، والوصول إلى قلوبهم. ورسولنا قدوة لنا. فالرسول(ص) تعرض للأذى في حياته، ورد على الأذى بالتسامح والدعوة إلى الهداية. فالانتقام ليس من شيم الرسول(ص). وعلينا ألا ننتصر له بالانتقام.

التسامح التركي( )

أظهرت أزمة الرسوم الكاريكاتورية أهمية اضطلاع تركيا بدور الحاجز بين الشرق والغرب، أو الجسر بين الإسلام الشرقي والغرب المسيحي. ومن شأن الحاجز الحؤول دون صدام بين الحضارات، وتعزيز الحوار بينها. فالأوساط الأوروبية التي رفضت دخولنا الاتحاد الأوروبي تعيد حساباتها بعدما شاهدت مظاهر العنف والتطرف، والحرائق، والدعوة على القتل والانتقام في شوارع مدن الشرق الأوسط وتبحث هذه الأوساط عن دور لتركيا بعد اكتشاف قيمتها الحقيقية. وعلى رغم تولي حكومة متدينة الحكم في تركيا، لم يظهر التطرف في شارعها. وآن أوان وساطة حكومة أردوغان في حل الأزمة. ويجب إبراز رد فعل الشارع التركي الهادىء والمتعقل الذي لم يجنح إلى العنف والتطرف في إبداء استيائه.

ولا شك في أن رد العالم الإسلامي على أزمة الكاريكاتور، هي فرصة ذهبية تظهر اختلاف تركيا وتمايزها. وهذا التمايز يساعد تركيا على كسب تعاطف الشارع الأوروبي الذي يبالغ في انتقادنا. فهذا الشارع الأوروبي لا يدرك أهمية تركيا بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. وهدوء الشارع التركي نموذج للعالم الإسلامي في مواجهة مثل هذه الأزمات، في وقت يهدد فيه إرهاب المتشددين استقرار أوروبا وأمنها. ولن ينسى الأوروبيون هذه الحوادث، وقدرة الشارع التركي على رد واع ومتعقل على همجية تلك الرسوم.

 (الجهاديون) ينفخون في النفير( )

اجتاحت حال الغضب والاستياء العالم الإسلامي بعد الرسوم الكاريكاتورية في الصحف الغربية. والحق أنها بلغت حدوداً بعيدة، بعدما انتشرت في الدول الإسلامية التي شهدت تظاهرات احتجاج لم تقف عند جود إعلان مقاطعة البضائع الدنماركية أو النرويجية، بل تعدتها إلى إحراق سفارتي الدنمارك والنرويج بدمشق، بعد يومين من إطلاق متطرفين فلسطينيين تهديدات ضد الأوروبيين وقيامهم بالسيطرة، لبعض الوقت، على مقر بعثة الاتحاد الأوروبي بغزة. وعم المنطقة كلها في ظاهرة لم يشهد مثلها منذ وقت طويل.

ومفهوم رد الرئيس الإيراني، وتصريحاته الغاضبة. وأما الحكومة العراقية فلم تكتف بإعلان تجميد العقود الموقعة مع الدنمارك، بل امتنعت حتى من قبول المساعدات الاسكندنافية، في وقت يحتاجها العراق. وهو موقف لافت، ومثله انتشار الرسائل الالكترونية التي حصلت (فريميا نوفوستي) على نسخ منها، وتحوي لوائح بأرقام العلامات التجارية للشركات الدنماركية والنرويجية والفرنسية. وهذا (جهاد) حقيقي، شأن كل حرب، فإن الصحافيين طليعة الضحايا، بدءاً من إقالة جاك ليفرانك، المدير العام لصحيفة (فرانس سوار)، على اعتقال عدد من الصحافيين الأردنيين، بذريعة نشر (شيحان) بعض الصور التي كانت السبب في الكارثة. ولم يشفع للصحافيين الأردنيين قولهم أنهم سعوا إلى إظهار سوء نيات الصحف الغربية، وتعريف القارئ العربي بالرسوم المقيتة.

سيف أوروبا "الكرتوني" في مواجهة أزمة الرسوم( )

تميّز الرد الأوروبي على التحرّك الإسلامي بعد نشر الرسوم الدنماركية، بلهجة صالونات النقاش وتبادل الرأي. وفي هذه الصالونات يُحتكم إلى الحوار المنطقي في سبيل حل المشكلات. فتحول قادة الاتحاد الأوروبي، على حين غرة، إلى محللين استراتيجيين. فتنبأ بعضهم بصراع حضارات مخيف، ودعا إلى الدفاع عن قيم الغرب. وبعضهم الآخر دعا بلطف إلى الحوار. ولكن الجدل ببروكسيل وروما يجري في ظل غياب مبادرة الاتحاد الأوروبي إلى حلّ. فكأن هذا الاتحاد لا يمثل القوى العظمى الثانية في العالم. ويبدو أن العالم القديم قد تبدد بعدما انفجر العالم الجديد، وارتدى قناعاً كرنفالياً ساخراً. فظهر هذا العالم في صورة مقاتل في الحروب الصليبية يحمل في قبضته سيفاً من خشب، ويدعو إلى تعدد الثقافات، ويقصّ الحكايات، ويحلم في استتباب الوضع. ولا شك في وجوب الدفاع عن ثمرة أعوام طويلة من التضحيات، واحترام حرية التعبير. وعلينا تجنب الانزلاق إلى منطق انعزالي يقصي الحلفاء المحتملين في هذه المواجهة. فوينستون تشرتشل، ابرز مدافع عن قيم الغرب في الحرب العالمية الثانية، قال أنه مستعد للتحاور مع الشيطان في سبيل مواجهة هتلر. فتعاون تشرتشل مع ستالين، ثم دانه بعد انتهاء الحرب.

ولا تعني ثقة المرء بصواب آرائه أن يجمد في مكانه، ويستشيط غضباً. فالجدل ليس محصوراً بين حديّ (الدفاع عن القيم) و (الحوار بين الثقافات) المتضادين. بل هو في مرتبة بين هاتين المنزلتين، أي بين الحوار بين الثقافات في سبيل الدفاع عن القيم وكنه الثقافات المختلفة، وبين الحيلولة دون انتصار الأصوليات المدمرة. والخلط بين الاحتجاجات المدبرة بسورية وإيران وبين موجة الشغب بليبيا، خطر. فالرؤية إلى العالم الإسلامي سبيكةً واحدةً متماسكة تحول دون إدراكنا تبيان الواقع في كل من هذه البلدان، واختلاف الجماعات والأفراد. والتباين والاختلاف موجودان في الأمة الإسلامية ـ والعرب خمس هذه الأمة. ففي الأردن واليمن ومصر، وفي غيرها من الدول العربية، مثقفون طليعيون يبحثون عن وسائل حضارية للرد على الرسوم المسيئة.


.. والعصا الغليظة لمن يشكك بالمحرقة اليهودية

سجن المؤرخ إرفينغ لإنكاره المحرقة اليهودية

في صباح 20/2/2006 وبعد سنوات من محاكمة الكاتب الفرنسي روجيه غارودي والكندي إرنست زندل صاحب كتاب (هتلر الذي نحبه)، أعلنت النمسا بدء محاكمة أحد أبرز (ناكري المحرقة) الأوروبيين المؤرخ البريطاني ديفيد إرفينغ، بتهمة (إحياء السياسة النازية)، التي يواجه فيها حكماً بالسجن عشر سنوات لتشكيكه خلال اجتماعات لليمين النمسوي المتطرف العام 1989 في استخدام النازيين غرف غاز.

وإرفينغ (67 عاماً) الذي اعتقل في فيينا بموجب مذكرة توقيف تعود إلى 1989، لدى توجهه لحضور اجتماع حزب يميني متطرف في تشرين الثاني الماضي، تلقى منذ احتجازه حوالي مئتي رسالة تأييد أسبوعياً، ما دفع الشرطة إلى طلب نشر قوة مكافحة الإرهاب أمام المحكمة تحسباً لتظاهرات عنيفة ينظمها نازيون جدد.وأفيد أن إرفينغ الذي يستغل وقته لكتابة 20 صفحة من مذكراته يومياً، بحسب تصريح أخير له، عثر على بعض مؤلفاته في مكتبة السجن، ووقع عليها إهداء إلى حراسه، ما دفع السلطات النمسوية إلى إجراء كشف على جميع سجونها لسحب كتبه منها.

وفي حال إدانته، يواجه إرفينغ حكماً بالسجن بين عشرة أعوام و 20 عاماً، وفقاً لقانون اعتمدته النمسا العام 1947. وسبق أن صدرت أحكام قضائية في حق هذا المؤرخ اليميني، وخصوصاً في بريطانيا وألمانيا، فيما مُنع من الإقامة في نيوزيلندا العام الماضي. لكن يتوقع أن يكون الحكم النمساوي، في حقه أكثر قسوة. فالمحاكمة (سيكون لها معنى رمزي كبير) لأن النمسا التي تتولى الرئاسة نصف السنوية للاتحاد الأوروبي تريد أن تبرهن للأسرة الدولية أنها (تغيرت في العمق) منذ عهد النازيين، وأصبحت تعاقب الذين (يختلقون أكاذيب حول محرقة اليهود) بحسب الخبير في الشؤون النمساوية فريتز بلاسر.

ومعلوم أن إرفينغ حاول في كتاب (حرب هتلر) العام 1977 التقليل من خطورة الفظائع النازية، وإعفاء الزعيم النازي من المسؤولية في إبادة ستة ملايين يهودي.

في 20ـ2ـ2006 حكمت المحكمة النمساوية على المؤرخ البريطاني بالسجن ثلاث سنوات بتهمة إنكار الهولوكوست (محرقة اليهود).

وأكدا إرفينغ انه غير رأيه وبات يقر بوجود (غرف الغاز) في معتقل اوشفيتز. وقال إرفينغ لرئيس المحكمة بيتر ليبيترو: "أقر بذنبي بشأن هذا الاتهام" موضحاً انه تحقق من أنه كان "على خطأ" عندما أكد عام 1989 "عدم وجود غرف غاز في اوشفيتز".

إلاّ ان إرفينغ المعرض لعقوبة السجن عشر سنوات بموجب القانون النمساوي ضد إحياء النازية شدد على "جدية وموضوعية" أبحاثه التاريخية.

وأوضح أنه غيّر رأيه بعد أن اكتشف في الأرجنتين وثائق تتعارض مع أفكاره، بعضها لواضع (الحل النهائي) أدولف ايخمان. إلاّ إن المؤرخ البريطاني حاول مع ذلك إظهار منطقية أفكاره ولاسيما تلك التي قادته إلى استنتاج عدم وجود غرف غاز في اوشفيتز الذي نجا منه مئة ألف شخص. من جهة أخرى رفض إرفينغ اعتبار تصريحاته، كما طلب منه المدعي مايكل كلاكل، بمثابة إنكار للهولوكوست.

ورداً على أسئلة الصحافيين فضّل إرفينغ استبدال تعبير الهولوكوست بـ (المأساة اليهودية في الحرب العالمية الثانية) كما يحاكم إرفينغ على تأكيده أن مذبحة (ليلة الكريستال) عام 1938 ضد اليهود لم يرتكبها النازيون وإنما (مجهولون) مقنعون وان هتلر في الواقع كان يدافع عن اليهود.

حول الحدث علق د.عقيل الشيخ حسين في أسبوعية (الانتقاد) ( ) اللبنانية قائلاً أن عشرات المؤرخين والكتّاب والفلاسفة والعلماء في أوروبا وأميركا يلاحقون ويسجنون ويطردون من وظائفهم بحجة العداء للسامية، لا لشيء إلاّ لأنهم يتناولون مسألة المحرقة بالموضوعية التي يتطلبها البحث العلمي. وألوف الكتاب والصحافيين والمسؤولين السياسيين في أوروبا والغرب جعلوا من أنفسهم أبواقاً لترداد أكاذيب الدعاية الصهيونية عن المحرقة.

أما الفنانون والمغنون والسينمائيون فحدّث ولا حرج عن نتاجاتهم المتكاثرة في التأريخ للمحرقة.

وحتى في الأعمال الفنية غير ذات الصلة بالموضوع، يجدون، على الدوام فرصة لتمرير إشارة إلى المحرقة تضاف إلى محتوى الوعي الغربي المشوّه حول المشكلة اليهودية وما يرتبط بها من مشكلات، في مقدمتها المشكلة الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.

ماكينة ضخمة لصناعة الكذب ولبناء وعي غربي ومعولم على وقائع مختلقة وموظفة في خدمة المشروع الصهيوني.

وكل ذلك، تحت العنوان المقدس لحرية التعبير التي يبدو أن مأزقها الذي تفجر مع تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد قد بدأ يتفتح على واحدة من أكبر فضائح التاريخ الغربي: جعل (التعبير الكاذب) المقترن بهمجية البطش، برغم كل الهراء الذي يذر في العيون تحت أسماء الحريات والحقوق والأنوار والديموقراطية، رافعة أساسية من روافع التاريخ.

فالحقيقة أن تصريحات نجاد التي أعادت وضع الأمور في نصابها الحقيقي بتحميل الدول التي يصرح الغرب بأنها اضطهدت اليهود كامل المسؤولية عن حل المشكلة اليهودية في الأماكن التي ولدت فيها هذه المشكلة، قد شكلت – بالنسبة للوعي الغربي – بداية لا يمكن الالتفاف عليها لتقطيع حبل الكذب الصهيوني الملتف منذ ثلاثينيات القرن الماضي على خناق شعوب الغرب.

وإذا كانت مؤامرة الرسوم المسيئة للرسول الأعظم (ص) قد ارتدت على صانعيها من خلال إظهار مأزق حرية التعبير في التعامل الغربي مع المشكلة اليهودية، فإن كل مشكلة مستجدة ستثير إجبارياً روائح المؤامرة الصهيونية الغربية، وستسهم في تحرير الغرب نفسه من وعيه المشوه ومن انقياده المغناطيسي للسياسات الصهيونية.

على ذات الخط إنما في إطار مختلف تعالت الانتقادات في بريطانيا لقرار إيقاف محافظ لندن كين ليفنغستون عن العمل لأربعة أسابيع، بسبب تشبيهه الصحافي اليهودي أوليفر فاينغولد بحارس مركز اعتقال نازي. وفيما كادت الصحف البريطانية تجمع على ان القرار يمثل صفعة قوية للديموقراطية، فقد اقر السير أنتوني هولاند، رئيس الهيئة المشرفة على الفريق الذي اتخذ القرار، بان عمل مؤسسته يشكو من خلل ينبغي تصحيحه.

يُشار إلى ان ليفنغستون مسؤول عن تسديد نفقات التحقيق الذي استغرق عدة أسابيع وتمخض عن تجميده. وقال هولاند، في مقابلة مع راديو فور التابع لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، إن النظام المعمول به حالياً في حاجة إلى معالجة، لكنه دافع عن اللجنة التي أمرت بمعاقبة المحافظ على هذا النحو الذي أثار جدلاً واسعاً. وقال مع إنها ليست منتخبة فهي تعمل وفق نظام وضعه لها أعضاء مجلس العموم، الذين انتخبوا من قبل الشعب. بيد انه اعترف بان ثمة مشكلة حقيقة في تخويل أشخاص معينين صلاحيات عزل أو تجميد سياسيين تم انتخابهم من قبل الملايين، كما في حالة ليفنغستون.

من ناحيته، أعرب (مجلس المندوبين اليهودي)، الذي رفع الشكوى ضد المحافظ، عن أسفه لانتهاء التحقيق إلى هذه النتيجة، إلاّ انه اعتبر ان المحافظ جلب هذه العقوبة إلى نفسه، لأنه أصر على عدم الاعتذار بعد (الإساءة) التي وجد فيها البعض شيئاً من (العداء للسامية). لكن وسائل الأعلام، بما فيها صحيفة (ديلي ميل) التي تعتبر كبرى مطبوعات المؤسسة، والتي تملك صحيفة (ايفنينغ ستانداردز)، حيث يعمل الصحافي فاينغولد، أعربت عن اعتقادها بأن الجمعة الماضي كان يوماً مظلماً في تاريخ الديموقراطية البريطانية، إذ سمح لأشخاص معينيين بتجميد المحافظ الذي انتخبه ملايين اللندنيين( ).

.. وردّة الفعل

بالمقابل ـ نشرت رابطة عربية بلجيكية ـ هولندية رسوماً كاريكاتورية على موقعها على الانترنت رداً على نشر صحف أوروبية أخيراً رسوماً مسيئة إلى النبي محمد(ص).

والرسوم المعادية لليهود نُشرت على موقع الرابطة العربية – الأوروبية على الانترنت، لكن الموقع تعطل بسبب عدم وجود مساحة إلكترونية كافية لاستيعاب جميع الرسوم. ونشر بيان إلى جانب هذه الرسوم جاء فيه أنها وضعت على الموقع لإختيار حرية التعبير وليس لتبني محتواها، وذلك في تبرير مماثل سبق أن قدمته صحف أوروبية كانت نشرت رسوماً مسيئة إلى الإسلام. ويظهر في إحدى الرسوم الهولندي الشهير آن فرانك ضحية المحرقة النازية في الفراش مع الزعيم النازي أدولف هتلر، فيما يشكك رسم آخر في وقوع المحرقة.

ودافع مؤسس الرابطة دياب أبو جهجه عن نشر الرسوم خلال برنامج (نوفا) على التلفزيون الهولندي، قائلاً إن "لدى أوروبا أبقارها المقدسة، على رغم أنها ليست أبقاراً دينية مقدسة". يذكر أن إنكار وقوع المحرقة تحظره معظم القوانين الأوروبية التي تمنع الحض على الكراهية تجاه الآخر بناء على هويته الاثنية أو الدينية أو الثقافية أو الجنسية.

أما في طهران فقد أعلن (بيت الكاريكاتور) الإيراني على موقعه في شبكة الانترنت أن أفضل رسم كاريكاتوري عن محرقة اليهود سيكافأ بجائزة قدرها 12 ألف دولار في المسابقة التي تنظمها هذه المؤسسة بالتعاون مع صحيفة (همشهري). وأوضح "أنها أهم مكافأة في العالم تقدم في مسابقة لرسوم كاريكاتورية".

وأضاف الموقع ان "الفائز الأول سيحصل على 12 ألف دولار. أما الفائزان الثاني والثالث فسيحصلان على التوالي على ثمانية آلاف وخمسة آلاف دولار". موضحاً ان "12 جائزة أخرى ستمنح" في المسابقة أيضاً.

وكان محمد رضا زائري رئيس تحرير صحيفة (همشهري) الواسعة الانتشار دعا الرسامين الدنماركيين الذي وضعوا الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد(ص) إلى "المشاركة في المسابقة حول محرقة اليهود ليكفّروا عن ذنوبهم عسى أن يغفر الله لهم".

بعدها بأيام أعلن( ) رسام إسرائيلي تنظيم مسابقة دولية لرسوم كاريكاتورية معادية للسامية في إسرائيل إزدراء بالمسابقة التي أطلقتها صحيفة (همشري) الإيرانية للسخرية من المحرقة اليهودية على يد النازيين.

وقال الرسام الإسرائيلي المستقل اميتاي سنداروفيتش الذي ينظم المسابقة "ردنا على العنف والابتذال هو التهكم على النفس".

وأضاف "أن همشري لم تأت بجديد لان الصحف الإيرانية والعربية تعج يومياً برسوم معادية للسامية (..) أنا لا أكره المسلمين ولا العرب لكنني اعتقد ان اليهود أولى بالتهكم على أنفسهم ولا يمكن لأي إيراني أن يتفوق علينا في هذا المجال".

والمسابقة مفتوحة أمام اليهود فقط على موقع الكتروني وستعرض الرسوم الفائزة في تل أبيب وستمنح جوائز.

بالعودة إلى الرسوم الدنماركية( ) فقد كشف رسام الكاريكاتور الدنماركي كريستوفر زيلر أن صحيفة (بيولاندس بوستن) التي كانت أول من نشر رسوماً كاريكاتورية مسيئة إلى النبي محمد(ص) سبق أن رفضت نشر رسوم له عن السيد المسيح، باعتباره مسيئة بدرجة لا تسمح بذلك.

وقال زيلر إن "رسومي التي لم تغضب أي مسيحي عرضتها عليه ... رُفضت لأن رئيس التحرير اعتبراها مسيئة إلى القراء ... القراء في شكل عام وليس بالضرورة المسيحيين". وعلى عكس المسلمين الذين يحرمون تصوير الأنبياء، فإن عدداً من الكنائس يُزين بصور وتماثيل المسيح، لكن لجنة الكرادلة احتجت على تصوير مسيء إلى الدين خصوصاً في السينما. وفي رسالة الكترونية إلى وكالة (رويترز)، قال زيلر إن رسومه رفض نشرها في طبعة الأحد من الصحيفة قبل ثلاث سنوات. وتسخر سلسلة من رسومه نشرتها صحيفة نرويجية من قيام المسيح. وأضاف أن رئيس التحرير "لم يكن هو ذاته الذي قرر لاحقاً نشر الرسوم التي أغضبت كثيرين".

في المقابل، قال رئيس تحرير طبعة الأحد من الصحيفة جينس كايسر إنه رفض نشر خمسة رسوم كاريكاتورية للمسيح قبل ثلاث سنوات لأنها (سيئة جداً)، رافضاً اتهام الصحيفة باتخاذ قرار بنشر رسوم عن النبي محمد(ص) وعدم نشر مثلها عن المسيح.

واستطراداً نتطرق إلى رسم كاريكاتوري نشرته صحيفة (واشنطن بوست) يظهر جندياً فقد ساقيه وذراعيه مما أثار غضب الجيش الأميركي الذي اعتبر ان الرسم (يستحق الإدانة).

وقال رئيس أركان الجيش الجنرال بيتر شوميكير للصحافيين: "جميعنا مصدومون فعلاً".

واتخذ الجنرال شوميكير ومسؤولون عسكريون آخرون قراراً غير عادي ببعث رسالة إلى (واشنطن بوست) للتنديد برسم توم توليس الرسام الكاريكاتوري الذي يعمل لحساب الصحيفة.

وجاء في الرسالة التي نشرتها الصحيفة: "من السيئ جداً استخدام جندي فقد ساقيه وذراعيه في الحرب كموضوع أساسي في رسم".

ويظهر الرسم الكاريكاتوري الذي نشر في 29 كانون الثاني، جندياً مضمداً وقد فقد ساقيه وذراعيه وإلى جانبه وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد بلباس الطبيب يقول له: "اعتبر إنك أصبحت مدرعاً لخوض المعارك".

ويشير الرسم الكاريكاتوري إلى تصريحات أدلى بها رامسفيلد رفض فيها دراسة أعدتها وزارة الدفاع (البنتاغون) حيث تعتبر ان الجيش الأميركي يواجه معاناة كبيرة في العراق وأفغانستان.

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
لوحة المفاتيح العربية
رمز التأكيد

الصفحة الرئيسية
خبر وخبرية
مع الحدث
رأي ورؤية
أسرارهم
أفكارتون
لفت نظر
الكاريكاتور العربي والعالمي
الطريق إلى السعادة
عبد الحليم حمود
من نحن
الأرشيف
ملف ستافرو
hanzala 
 حنظلة 
أوباما 
بورتريه بريشة عبد الحليم حمود
فوتوغرافيا
فوتوغرافيا
دالي
كاريكاتور سلفادور دالي
ملف رفيق الحريري
كاريكاتور عبد الحليم حمود
كاريكاتور عبد الحليم حمود
عبد الرحمن زهراني
كاريكاتور عبد الرحمن زهراني
عبد الهادي شماع
كاريكاتور عبد الهادي شماع
عامر الزعبي
كاريكاتور عامر الزعبي
أقوال مأسورة
أقوال مأسورة
مستر بين
مستر بين
حسن إدلبي
بورتريه بريشة حسن إدلبي
كاريكاتور ايراني
الكاريكاتور الإيراني
جنون الماركات
عبّاد اللوغو
حبيب حداد
كاريكاتور حبيب حداد
يومي متجدد
كاريكاتور يومي متجدد
عدد الزوار: 970443 منذ 20- شباط- 2012 Developed by Hadeel.net